ولما فطن داود الفكر لحقيقة الأمر إستغفر ربه ، وخر راكعا وأناب ، فالأمر إذا متعلق بتجربة الكشف وحدها ، والتي من دونها لا يمكن للإنسان أن يعرف جوهر الأسماء وحقيقة اللعبة الأسمائية والسر الذي متى عرفه خر لله راكعا وأناب ، مسلما إليه وجهه ، مقرا بأن ما به من نعمة فمن الله ، وما له في الحقيقة من الأمر شيء.
فالرحمة والدخول في الصالحين أمر منوط بالله ، سبحانه إذا أراد أن يوقظ عبده من غفلته أدخله مدخلا هو بين إصبعي الخير والشر ، فاطلع العبد كشفا وذاق وعرف وتحقق بمقام الإحسان.
٢٦ ، ٢٧ ـ (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧))
[ص : ٢٦ ، ٢٧]
الحق الوحي الذي خصت به الأنبياء ، والإلهام الذي خصت به الأولياء ، وكلاهما صوت الله يسدد به خطى عبده ، وهذا المقام هو ما وصفه سبحانه في موضع آخر بقوله في نبيه : (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤)).
والوحي غير الفكر ، وإن كان روح الفكر أو فكر الفكر ، ولقد سبق وأوردنا حادثة إبار النخل حين رأى النبي أناسا يلقحون نخلهم فقال : ما أظن أن هذا ينفع ، فلما ترك القوم التلقيح فسد النخيل ، فالنبي ما قال في النخيل قولا عن وحي بل عن فكر ، والفكر يصيب ويخطئ ، وهو عرضة لضغط هوى الغريزة والعاطفة والأنانية ، وهذا ما أشار إليه سبحانه في الآية بقوله : (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ).
٢٨ ـ (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨))
[ص : ٢٨]
المتقي من اتقى الله ظاهرا وباطنا فلم ير في الوجود إلا الله ، سئل البسطامي عن اليقين فقال : معرفته أن حركات الخلق وسكونهم فعل الله عزوجل لا شريك له في فعاله ، فإذا عرفت ربك واستقر فيك فقد وجدته ، ومعناه أنك ترى أن الله واحد لا شريك له في فعاله ، وليس يفعل فعاله أحد ، وقال التستري : العبد لله والله لعبده ، وليس شيء أقرب إليه من قلب المؤمن ، فإذا حضر الغير فيه فهو الحجاب ، ومن نظر إلى الله بقلبه بعد عن كل شيء دونه ، وأنشد عبد الغني النابلسي :
|
وإنها حركات من يد وفم |
|
ومن يراع ومن رق ومن وتر |
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
