في كتابنا الإنسان الكبير فصلنا الكلام في داود وسيرته ، والعبرة منها ، وداود رمز الفكر الذي بلغ أشده فظن ماله أنه له وهو لله ، وما جاء في الآيات أن الله سخر لداود الجبال يسبحن ، وسخر له الطير محشورة ، وآتاه الحكمة ، والمعنى أن الله آتى الفكر الإنساني كل وسيلة ليفتق ما عنده ، ويخرج ما أودع في خزائنه من قوى وإمكانات عن طريق الصفات ، والاستعانة بالخيال والذاكرة والنظر في الأمور ، فالجبال المعقولات المسخرة للفكر الإنساني ، ولولاها ما كان ليحتل مكانه في هذا الوجود ، فالفكر الإنساني هو السلطان القاهر في الأرض ، وبه استوى الإنسان على عرش الملك يفعل فيه ما يشاء ، والطير هي أرواح الأنوار المعينة للمعقولات ساندة لها ، والملاحظ أن الطير تطير ، والجبال راسية ، فللأنوار الحركة الخفية الدائمة في هذا الوجود الحي ، أما الجبال فراسية في مكانها ثابتة ، إذ هي قواعد الفكر.
وتتابع الآيات قص ما حدث لداود الفكر ، ففي الحديث الشريف أن المؤمن إذا أحصى تسعة وتسعين اسما من أسماء الله الحسنى دخل الجنة ، والجنة هي كشف الآفاق بين الإنسان والله ، ورؤية الله جهارا كما جاء في الحديث أيضا ، فالنبي اشترط لدخول الجنة إحصاء عدد من الأسماء لم يبلغ المائة ، وهو الدور الذي يترتب على الفكر الإنساني القيام به وحده وبجهده وجهاده حتى يبلغ جنة الكشف ، أما الاسم المائة فهو الاسم الأعظم ، وهو اسم جامع للأسماء التسعة والتسعين ، وبانكشافه يعرف الإنسان سر هذا الاسم الجليل ، ويعرف لعبة الأسماء وتضادها ، ويعرف لم خلق ويسر ، ويعرف أن مدخله ومخرجه ومسيره هو بالله ولله ما دام هو صاحب الملك والملكوت.
وداود الفكر كان مؤمنا ، ولكنه لما قارب مقام الإحسان ، وهو مقام الدخول في الصالحين ، ظل متمسكا بما حصله من علم المعقولات ، وزاد عليها الاسم المائة ، أي الاسم الجامع للمعقولات ، أي أن الفكر لم يقر بعبوديته لله وبربوبية ربه له ، ومد عينيه إلى الاسم الجامع كما عبر عنه بالنعجة في القصة ، والنعاج بلسان العرب كناية عن المرأة ، قال أبو بكر الوراق في تفسير : (إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ،) هذا من أحسن التعريض ، حيث كنى بالنعاج عن النساء ، والعرب تفعل ذلك كثيرا ، توري عن النساء وتكني عنها بألقاب كالظباء والنعاج والبقر ، وهو كثير في أشعارهم ، والمرأة التي هي حواء رمز النفس ، ولكن الله اللطيف بعبده الصالح المحسن أدخله مدخلا هو كما وصفه البسطامي بأنه رأى الخلق جميعا بين الإصبعين اللذين هما من أصابع الرحمن ... وهذا ما عبر عنه في القصة بالملكين اللذين جاآ داود في هيئة رجلين وقصا عليه قصة الخصمين اللذين ظلم أحدهما الآخر فأخذ نعجته وضمها إلى نعاجه.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
