خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣))
[الصافات : ٨٣ ، ١١٣]
ضرب الله مثلا آخر إبراهيم ، وقال إنه من شيعة نوح ، وكذلك كل من انفك من أسر الدنيا فهو مثل إبراهيم من شيعة نوح ، وما الذي فعله إبراهيم؟ لقد نظر في عالم الصور المتحركة المدعوة الكثرة ، ثم رفع رأسه ، وقلب وجهه في النجوم ، فأدرك ووعى ، وما وعاه أن هذه الصور المتحركة من أصنام البشر ليست قائمة بذاتها ، بل بوجود آخر أصيل قديم ، فرغب عما عبده أبوه وأجداده إلى رب الصور ، وجعل يضرب أصنام الصور ، فكانت النتيجة أن ثار قومه به ، وغضبوا عليه ، إذا اعتادت الكثرة التعلق ببعضهم بعضا ، وربط الأسباب بالمسببات وجعلها كلها طبيعية ، فلا خالق هناك ، ولا قضاء ولا قدر ، ولا رب للصور والبشر ، وتلقى إبراهيم ربه فنجاه من الجحيم التي أراد قومه أن يلقوه فيها ، ونجاه إلى بر أمين ، فنادى إبراهيم ربه أن هب لي من يخلفني على عرش التوحيد العظيم ، فبشره ربه بغلام حليم ، يحلم عن سفاهة النفس الأمارة وعن غضبها.
وولد إبراهيم إشارة إلى ولادة معنوية لإبراهيم ، وولادته بعثية جديدة ، قائمة بالله ، يرى بها ما رأى نوح من قبل ، وكان على إبراهيم أن يضحي بنفسه التي لم تعد له ، والتي وهبه الله إياها على سبيل الاستعارة ، فعرض إبراهيم على نفسه ما رآه في منامه أن يذبح ولده ، فقالت النفس التي رجعت إلى ربها راضية مرضية : إفعل ما تؤمر ، ستجدني إن شاء الله من الصابرين.
تلك هي سنة الله في الأولين ، سبحانه ما اصطفى من ذرية نوح من أحد من الصالحين إلا أمره بذبح نفسه قربانا لله ، فإذا امتثل العبد الصالح أمر الله ، وتل نفسه للجبين ، تقبلها الله بقبول حسن ، وردها إلى عبده قائلا : (وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) كان أحدهم عند ذي النون ، فجاءه رجل فقال : رأيت أبا يزيد البسطامي؟ فقال : نعم رأيته ، فقلت له : أنت أبو يزيد؟ فقال ومن
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
