كان قلبه لهذه الصفات تربة صالحة للزراعة ، وما يفعله الإنسان يتم بتوجيه بل بأمر ، فالذين يظنون ويتصورون أن الإنسان مبصر خارجي وسامع خارجي فهم مخطئون ، إذا الإنسان مبصر ببصر داخلي هو البصيرة ، وسامع بسمع داخلي هو الوحي والإلهام فالإنسان مخلوق مثالي جاء إلى العالم ليمارس إمكاناته ، ويفلق بذور صفاته الموجودة فيه ، وليس للإنسان أن يختار الصفات ، وليس له أن يفعل ما يشاء ، لأن القصد ليس أن يحيا الإنسان كما يشاء ، ويختار ما يشاء ، بل القصد أن يظهر بذور الله التي استودعها إياه ، وعلى هذا فالإنسان محكوم بالأسماء ، وهو قاطرة تسير على سكة وفي اتجاه معين من المهد إلى اللحد ، ولو كان الأمر غير هذا لدبت الفوضى في نطام الكون ، ولشاعت الفوضى في قانون السببية ، قال سبحانه في سورة التكوير : (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩) ،) فكان ختام السورة أن مشيئته هي القاهرة فوق العالمين.
وهناك بطن ثالث للآية يعبر عنه بالأحرف التي بدئت بها بعض سور القرآن ، وهو أن أاشتق منه ع فاشتق العين منه ك ل ي ه ص ، فكانت الأحرف هذه الأجزاء المنبثة في عالم العيان ، ولكل منها وجود الألف وفعالية العين وقواه ، فجعلت تلتقي وتفترق وتنجذب وتتنافر وتصطدم وتصطلح ، وإذا كل منها حبة أنبتت بعد بذرها في أرض العناصر سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، وإذا العين قد أتم مهمته بعد هذا الإنبات ، وإذا الألف قد حصد ودرس وطحن وجعل الطحين في جرة دفنها في الأرض ، فإذا غرسة تنبت وتنمو لتصبح شجرة عظيمة هي الشجرة الجامعة ، فيها من كل فواكه المعقولات ورطبها وزيتونها ، وإذا العين قد استوى فوق هذه الشجرة التي هي العرش ، والعملية كلها حركة داخلة في نطاق الزماكان ، لا بداية لها ولا نهاية ، فالداخل خارج ، والخارج داخل ، والجزء كل ، والكل جزء ، والعاقل معقول ، والمعقول عاقل ، وإذا الألف قد غرس عصاه في هذه الأرض المباركة. ثم نادى موسى القدرة أن حرك هذه العصا الحية فإذا الكون كله يموج بالحركة والحياة ، وقيل في وصف هذه العصا ما قيل ، والحقيقة أن لها رؤوسا بعدد أغصان الشجر ، وهي تمتد من أقصى البر إلى أقصى البحر ، وهي قادرة على الغوص إلى قيعان البحار ، ولو رفعت رأسها لطالت النجوم ، وهي التي أجرت الفلك في البحر كالأعلام ، وهي التي أنطقت حيتان الأنفس مسبحة لله ، ولو أن العرش وما فوقه من معقولات ، وما تحته من محسوسات انبسط ما وسع رأسا من رؤوس هذه العصا السحرية التي هي الله وقواه.
فعن هذه العصا إبحث ، وفيك موسى وعيسى ومحمد ينشدون لك الخير ، وأن تجد الجدار الذي أقامه العبد الصالح روح الحياة وكنزك ، فتعلم قدرك ، وتعلم أنك مسكين يتيم غر سقيم
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
