الأنا عن أنيته وبالتالي عن صفته فإن هذه المطالبة نفسها فناء وإفناء ، وليس كل أحد يقبل هذا الفناء لشدته ، قال أبو العباس السياري : ليس في المشاهدة لذة ، لأن المشاهدة فناء لا حظّ فيه ولا احتظاظ ولا لذة ولا التذاذ ، فالفناء تبرؤ من الحول والطول ، بل من الوجود نفسه ، فكيف يقبل الإنسان العادي الخروج عن وجوده؟
والفناء سار في الموجودات باعتبار أن هذه الموجودات لا تقوم بنفسها بل بالجوهر وهي أعراض ، ولهذا وصف ابن عربي عالم التعينات بأنه عالم هياكل وأشباح ، فالفناء ليس حالا يحل فيه المكاشف الفاني بل هو أرضية تحتية وجودية مخفية هي التي وصفها اسبينوزا قائلا إنه لم يهبط بالله إلى مستوى الطبيعة بل رفع الطبيعة إلى مستوى الله ... وهذا ما عبرت عنه الآية الخامسة والأربعون قائلة إن الوجود قرية هالكة خاوية على عروشها وهي بئر معطلة وقصر مشيد ... والبئر تذكر بالمقولات الصوفية والأعداد الفيثاغورية العشرة التي جعلت العالم الظاهر أثرا بعد عين ، بعد أن كشفت حجابه فإذا هو الواحد ، وإذا هو الموسيقى روح الكون.
٤٦ ، ٤٧ ـ (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧))
[الحج : ٤٦ ، ٤٧]
ضرب الله مثلا قلبا يعقل به وأذنا يسمع بها ، ثم تعدى الحواس ظاهرة وباطنة إلى منطقة أخرى من الإنسان هي الوجدان حيث الشعور وحيث البصيرة التي ضرب الله لها مثلا في موضع آخر مشكاة فيها مصباح والمصباح يوقد من شجرة مباركة ، فلإنسان ما لم تفتح بصيرته فهو أصم أبكم بل هو أبكم ، إذ المنشأ والمصدر والأصل الروح لا الفكر والعالم ، وهذا ما ألح عليه هيغل في موسوعته قائلا : إن ثمة مقولات هي كليات عقلية منبثقة عن الروح ، وهي أساس الوجود ، وليس في الوجود في الحقيقة من حقيقة إلاها.
وثمة ناحية أخرى أشارت إليها الآية وهي لا جدوى مماراة المشركين والملحدين الذين هم عمي القلوب ، فمن لا نور له لا كشف له ، ومن لا كشف له لا يعلم اليقين ولا علم اليقين الذي يمشي الإنسان به على الماء.
٤٨ ، ٤٩ ـ (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩))
[الحج : ٤٨ ، ٤٩]
قوله سبحانه : (أَمْلَيْتُ لَها ،) إشارة إلى مد القلب بخواطر الأسماء وكنا قد تحدثنا عن الأفكار القبلية التي قال بها كانط والمقولات العقلية التي قال بها هيغل ، وكلها تقول إن الفكر
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
