فالشيطان إذن وسيط لا شريك ، والشر عنصر من عناصر الخير الإلهي المطلق ، والفساد جزء ضروري من النظام الشامل ، ونفس (فاوست) معلقة بين الإيمان والشك ، وطبيعتها المزدوجة تجمع بين الروح والمادة ، وجهدها الفاني يسعى إلى الحقيقة الخالدة ، حتى تتبين أن خلاصها الوحيد يكمن في شقائها الدائم وسعيها المتصل.
٥ ـ (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥))
[القصص : ٥]
المستضعفون القلة ، ثلة من الأولين وثلة من الآخرين ، مصطفون لمعرفة حقائق التوحيد ، فمتى عرفوها صاروا أئمة ومصابيح هدى للناس ، وصاروا بالتالي وارثين ، قال صلىاللهعليهوسلم : (العلماء ورثة الأنبياء) ، وقال الشيخ الأكبر : وما أنزل في هذا المسطور إلا ما ينزل به علي ولست بنبي ولا رسول ولكني وارث ولآخرتي حارث ، فالوراثة مقام علمي عظيم خص به أئمة علم التوحيد منذ القدم.
والوراثة يمكن أن تكون ظاهرة كما كان الشيخ الأكبر ، ويمكن أن تكون مستورة كما كان أبو يزيد البسطامي ، وقيل إن إبراهيم بن أدهم كان يفر من الناس مستوحشا من الخلق مستأنسا بربه ، وكلما عرف في بلدة فر منها ، وهذا خلق اشتهرت الصوفية به.
٦ ـ (وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦))
[القصص : ٦]
التمكين مقام يوسف الصديق الذي علم تأويل الأحاديث ، وكل ما تقوله الألسنة حديث ، إلا أن حديث العارفين الوارثين هو الحديث الإلهي الذي يرفع السدود المضروبة دون الغيوب ويتحدث عن الغيوب ، وقال صلىاللهعليهوسلم : إن من أمتي محدثين ، وإن منهم عمر) ، وقال : (إن يكن من أمتي محدثون فعمر).
وما يراه فرعون وهامان وجنودهما هو ما تراه النفس الموسوسة حين ينكشف لموسى القلب حقيقة الوسوسة فإذا الظلام صنو النور وإذا الأصل هو النور ولا شيء إلا النور كما أوردنا قول النقاد في فاوست غوته ، قال جلال الدين الرومي : هو يظهر حينا بتلك الصورة وحينا بضدها ، فليس في أمور الدين إلا ما يبعث الحيرة ، وقال أيضا : تارة ترسم بالوشي صورة الشيطان وتارة صورة آدم ، وحينا تصور السرور ، وحينا تصور الحزن ، وليس لأحد قوة تجعله يحرك يدا للدفاع ولا ينبس بكلمة عن النفع والضر.
٧ ـ (وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧))
[القصص : ٧]
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
