آياته في الوجود ظاهرة وباطنة ومنها الفكر ، والناسخ هو الذي ينسخ ما كثر الجدال فيه من القضايا مثل حرية الإنسان وأصل الإنسان وسر القضاء والقدر وسر الموت وسر النفس.
٤١ ، ٤٣ ـ (قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣))
[النمل : ٤١ ، ٤٣]
عرش بلقيس عرش الله استوى عليه بالنفس ذاتها ، ولكن النفس محجوبة تحسب أن عرشها لها ، وهذا جهل الناس أجمعين إلا من رحم الله ، وتنكير العرش تغييره ، ويقع ذلك عند المكاشفة ، فيرى المكاشف أن صوته الذاتي النفسي ما عاد صوته بل برز الحق له منه وفيه ، ولهذا لما كوشفت النفس بهذه الحقيقة سئلت (أَهكَذا عَرْشُكِ) وأجابت (كَأَنَّهُ هُوَ ،) فلشدة الشبه تحسب النفس أن هويتها هويتها ، حتى إذا جاء اليقين هرب العصفور من القفص والتحق بالهوية الحقيقية الإلهية ، وهذا معنى الإسلام والتسليم ، ولهذا ختمت الآية الثانية والأربعون بالقول : (وَكُنَّا مُسْلِمِينَ).
٤٤ ـ (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤))
[النمل : ٤٤]
الصرح قصر من زجاج ، وهو لشفافيته يبدو مثل الماء ، والمنظر يرى كشفا في اليقظة ، يراه المكاشف في عرض السماء ، وهو عرش نوراني أساسه الذات الإلهية تحيط بها الأسماء المعقولات تبدو شفافة تصدر عنها تعينات خلقية من إنس وجن.
والكشف عن الساقين كشف حقيقة الوجود الباطنة ، وقيل إن سليمان بلغه أن لبلقيس ساقين مشعرتين كسوق الحيوانات ، والإشارة إلى النفس الحيوانية ، فبلقيس إشارة إلى النفس المادية والوجه الظاهر للنفس الكلية ، وكشف الساقين كشف حقيقة النفس المكونة من مادة وروح ، ولهذا قيل النفس لا تكون إلا في جهات ، فلا توجد النفس بمعزل عن العالم ، ولكنها في الوقت نفسه لا توجد بمعزل عن الروح الفاعل ولهذا وصفت بأنها المحل والمعبر والجسر الواصل بين الله والعالم.
فلما تبينت بلقيس النفس هذه الحقيقة أعلنت أنها ظلمت نفسها لما ادعت ملكيتها لها من دون الله ، وارتدت من ثم إلى الله خالقها وأسلمت مع سليمان ممثل الروح.
٤٥ ، ٤٦ ـ (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦))
[النمل : ٤٥ ، ٤٦]
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
