قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ (٣٣))
[النمل : ٢٧ ، ٣٣]
الكتاب إشارة إلى رفع الحجاب بنور الهداية فإذا الأنا المتعينة متحققة بفنائها في الأنا المطلقة ، وبأن كل ما يقع في عالم التعين هو فعل اسم الله الأعظم الذي هو الرحمن ، فإذا تحقق القلب بهذا طلب إلى النفس التسليم إلى الخالق الحق ، لكن النفس تأبى الاستسلام ، خاصة وأن لها قواها من الحواس ظاهرة وباطنة التي تعلم أن لها بأسا وقوة ، فالإنسان يستخدم فكره على الدوام ، كما يستخدم خياله وذاكرته وحدسه وبصره وسمعه التي هي كلها طوع أمره ... وهذه الحواس قوية ، ويكفي أن يضرب مثل الحاسوب وقدرته الهائلة على حفظ المعلومات والذي لم يبلغ حتى الآن عشر قوة الذاكرة الإنسانية ، كما أنه عاجز عن أن يفكر ، فهو يقدم المعلومات المخزونة لديه فقط ، أما الإنسان فهو الحاسب والمحاسب والحاسوب فهو جمع في فرد.
٣٤ ـ (قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤))
[النمل : ٣٤]
هذه الآية حيرت العلماء المفسرين فوقفوا أمامها حائرين متسائلين عن هؤلاء الملوك الذين إذا دخلوا قرية أفسدوها ، والقرية هنا رمز آلة الدماغ ، فالقرية هنا أخص من القرية التي ورد ذكرها في آيات سابقة فأولناها على أنها البدن ، ولقد رأينا هذا التأويل الجديد في منام ، ورأينا الخارطة الأسمائية محصورة في الدماغ نفسه.
والملوك القاهرون هم الذين قهروا النفس وخواطرها ، إذ خواطر التوحيد صادرة عن عين اليقين ، كما ذكر ابن عربي عن الخيال فقال إنه نوعان ، الخيال المتصل والخيال المنفصل ، والفرق بينهما أن المتصل يذهب بذهاب المتخيل ، والمنفصل حضرة ذاتية قابلة دائما للمعاني والأرواح فتجسدها بخاصيتها ، وقال أيضا : الاستشراف على حضرة الخيال الصحيح الذي لا يدخله ريب ما هو الخيال الذي هو قوة في الإنسان في مقدم دماغه ، بل هو خيال من خارج كجبريل في صورة دحية ، وهو حضرة مستقلة وجودية صحيحة ذات صور جسدية تلبسها المعاني والأرواح.
فالخيال المنفصل الذي وصفه ابن عربي بأنه حضرة وجودية مستقلة صحيحة إذا برز قهر الخيال المتصل ، وكشف عالم الغيب والبرزخ ، وهذه العملية المتعلقة بالكشف التوحيدي الصوفي هي التي تقهر الفكر العادي وحواسه وقواه ، وتظهر أن الله هو القاهر ، وأن الإرادة الإنسانية مدرجة في الإرادة الإلهية وهي هي على الحقيقة وكذلك بقية الحواس ، وقد بينا في
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
