الدعاء بالغداة والعشي الخروج إلى عالم المحسوسات لتحصيل المعلومات منه ، وضرب في الفلسفة مثل فقيل : لو لا رؤية الورق الأخضر ما عرف الإنسان اللون الأخضر ، فرؤية الأوراق الخضر انطباع محسوس ينجم عنه تجريد هو معرفة اللون الأخضر ، فالمحسوسات تفضي إلى المشعورات ، والمشعورات تفضي إلى معرفة الصور ، ومعرفة الصور تفضي إلى تجريد كلي لهذه الصور ، مثلما يرى النائم في نومه منامات فلا يعرف تعبيرها ... أما المعبرون فهم الذين دعوا في الآية بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي ، فالدعاء بالعشي العودة إلى الأخذ من العالم الباطني عن طريق استخدام الصور المجردة التي تجهل العامة تعبيرها ، وتعلم تأويل الأحاديث بها ومن خلالها كما حدث ليوسف الذي علمه ربه تأويل الأحاديث وتعبير الأحلام.
وقوله : (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ،) يعني أنهم يريدون معرفته سبحانه عن طريق معرفة الصور ، أي صوره ، أي صور الموجودات لأننا قلنا إن صور الوجود هي صوره أي صورة وجهه أو حقيقته باعتبار الوجه حقيقة الشيء.
وقوله : (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ،) يعني الانصراف عن نشدان الحقيقة الإلهية وتعرف الله ... وسبق القول بالقول : (وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ ،) أي عن طالبي الحق وهم الفقراء إليه ، وثمة لطيفة في تتابع القولين ، وهو ما عبر عنه صلىاللهعليهوسلم قائلا : (من طلب الدنيا طلبته الآخرة ، ومن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه ...) والمعنى أن الله بالمرصاد ، فمن طلب الدنيا أكلته الدنيا ، ذلك لأن عبادة الصور تفضي إلى الوقوع في أسر الصور ، فعباد المال عبيده ، وكذلك عبيد الجاه والشهوات والرياسة ، فالقلب كيفما ملأته امتلأ ، فإن ملأته بالمال شغل بالمال ، وإن ملأته بالشهوات شغل بالشهوات فطالبو الدنيا سجناؤها ، والله لا يريد لعباده الكمل إلا أن يكونوا عبيدا له هو وذلك لا يتحقق إلا بمعرفته.
٢٩ ـ (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩))
[الكهف : ٢٩]
الآية تتمة لما سبقها ، فالنار الحجاب ، والسرادق هذه الآمال الكاذبة التي يخدع الإنسان سرابها ، فيظنه ماء فإذا جاءه لم يجده شيئا ، وطالبو الدنيا ما يزالون ينهلون فلا يرتوون كظمآن يشرب ماء البحر فيزداد عطشا.
٣٠ ، ٣١ ـ (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (٣٠) أُولئِكَ
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4153_altafsir-alsufi-alfalsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
