الملاحظ في الآية ورود كلمة (اثْنَتا عَشْرَةَ) مرتان ، في الأولى حين قطّع الحق قوم موسى أسباطا أي قبائل وأمما ، وفي الثانية انبجاس العيون لما ضرب موسى بعصاه الحجر. والإشارة إلى عالم الكثرة حيث الأمم والقبائل ، وإلى عالم الوحدة الذي بطن عالم الكثرة ، الذي هو الحقيقة على الحقيقة ، وما العالم الخارجي إلا ظهور له ومرآة تعكس حقائقه ، ولقد نصب هذا العالم جسورا إلى الكثرة عن طريق العيون الإثنتي عشرة. والعيون من الأعيان ، فهي هنا الحواس العشر بالإضافة إلى الروح والنفس باعتبار الروح فاعلا ، والنفس منفعلة. والعصا عصا القدرة التي تمّ بها التكثير من الوحدة التي رمز إليها بالحجر وهو العالم المادي الذري في أساسه الذري الواحد أيضا.
وقوله : (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ) إشارة إلى أن أهل الظاهر اتجهوا إلى عالم العيان فاعتمدوه هو والحواس لا غير .. أما أهل الباطن فقد ولوا وجوههم شطر الروح حيث الأنوار الإلهية العلمية يشربون من عينها تلك العلوم.
وقوله : (وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ) إشارة إلى الحجاب المسدل بين الحق والخلق ، وهو ما رمز إليه بالغمام الذي هو ستر رقيق. والحجاب حجب قال فيها صلىاللهعليهوسلم : (إنها سبعون حجابا) ، وفي رواية أخرى : (سبعون ألف حجاب ما بين نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه البصر من خلقه).
وقوله : (وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى) إشارة إلى تنزل العلوم الإلهية على قلب العارف بعد أن يحترق بسبحات وجه الحق كما ورد في الحديث. فالاحتراق الفناء في الحق. والأكل من طيبات الرزق التغذي بعلوم الحق ، وهو ما يسمى بمصطلح الصوفية البقاء بعد الفناء ، ودعاؤهم في هذا المعنى : اللهم هبني البقاء بك بعد الفناء فيك.
١٦١ ـ (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١))
[الأعراف : ١٦١]
سبق أن قلنا : إن القرية البدن ، والأكل من هذه القرية الاستفادة من الإقامة في البدن ، وما له من قوى وحواس.
وقوله : (وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً) يعني أن ادخلوا الجسم ساجدين ، أي واضعين الجبهة ورأس الأنف على الأرض ، والإشارة إلى سجود الفكر الترابي المتعلق بالدماغ لله عزوجل ، لأن روح الله أسّ قوى الفكر علم الإنسان هذا أم جهل.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4153_altafsir-alsufi-alfalsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
