يُؤْمِنُونَ (١٥٦))
[الأعراف : ١٥٦]
كتابة الحسنة في الدنيا إخراج ما في المحسوسات من حسن معقولاتها. فما تراه من ظاهر له باطن هو المعقول ، ومن أجل معرفة هذا المعقول خلق الله السموات والأرض والإنسان.
وقوله : (وَفِي الْآخِرَةِ) يعني الوصول إلى العلم اليقيني الذي يكف الفكر فيه عن ممارسة دوره في التجريد واستخلاص اللب من قشر الحس ، ويبدأ من ثم دور الروح صاحب حضرة الأسماء في عالم الخيال الحقيقي حيث يتم تصنيف المعقولات في صور تصنيفا علميا إلهيا ، يعلم الإنسان ما لم يعلم. فالإنسان جاهل ما لم يعلمه الله ، حتى وإن كان من الناس الفلاسفة أرباب الفكر.
وقوله : (عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) يعني أن الله حر في أن يعذب من يشاء من عباده ، فهذا داخل في مجال أسماء البلاء كأسماء المذل والخافض والضار والمنتقم. والملاحظ أن العذاب رهن بالمشيئة ، أي إذا شاء الله عذب ، وإن لم يشأ لم يعذب. أما الرحمة فلقد وصفت بأنها وسعت كل شيء ، فشمل وصف الرحمة الجميع ، وهذه هي القاعدة الأصولية التي بنى فوقها أعلام الصوفية صرحهم الذي شعاره أن مآل الجميع إلى الرحمة ، لأنه سبحانه بدأ الفاتحة بقوله إنه الرحمن الرحيم ، كما بدأ كل السور ما عدا «براءة» بهذه الرحمة. ومن هذه الرؤيا الصوفية انطلق ابن عربي قائلا : إن أهل العذاب منعمون في عذابهم ، وإن أصل العذاب فعل عذب ، أي لذ وطاب.
هذا على المستوى الصوفي ، أما على المستوى الفلسفي فلقد فسرت الرحمة الشاملة بتلاؤم الموصوف مع الصفة ، والمعلول مع العلة ، فكانت النار جنسا يشمل من يكون فيها من أهلها. وهذا قول سديد يظهر الغاية من وضع سلم الشريعة القاضي بالثواب والعقاب ، ثم تأتي مرحلة يكون تفليق المعقولات فيها قد تم ، ففرز أصحاب الجنة إلى الجنة ، وأصحاب النار إلى النار ، كما يكون العدل الإلهي قد ظهر وأسفر ، فإذا الكل مرحومون ، لأن الهدف من خلق الخلق معرفة الله بظهوره بالأسماء.
١٥٧ ـ (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧))
[الأعراف : ١٥٧]
الإشارة إلى أن الإسلام دين جامع شمل الناس كافة فهو رحمة للعالمين والملاحظ أن
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4153_altafsir-alsufi-alfalsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
