لو تاب عليك لتبت. أما سبب كون التوبة داخلة في الوجوب فلأن القلب في القبضة ، والقبضة تذهب به يمينا وشمالا ، والإرادة الإنسانية داخلة في نطاق الإرادة الإلهية. قال الغزالي : إن قلت أفليس للعبد اختيار في الفعل والترك؟ قلنا : نعم ، وذلك لا يناقض قولنا : إن الكل من خلق الله تعالى ، بل الإختيار أيضا من خلق الله ، والعبد مضطر في الاختيار الذي له.
١٥٤ ـ (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤))
[الأعراف : ١٥٤]
سكوت الغضب من نتائج الوصول إلى عين الأصول. ففي حين يكون الغضب ربا ، والقلب عبدا ، كما سئل ديوجانيز يوما : كم عبدا لك؟ قال : بقدر أربابكم ، وعني الشهوة والغضب ، نجد أن الغضب يصير عبدا ، ويصير القلب ربا ، كما كان ديوجانيز نفسه.
١٥٥ ـ (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥))
[الأعراف : ١٥٥]
السبعون رجلا إشارة إلى العقد السبع التي تعقد القلب والعقدة تمثل العدد عشرة الذي هو مجموع الحواس الظاهرة والباطنة. فكل قوى الإنسان وجسوره بين عالم الروح وعالم المادة داخلة في العدد عشرة المقدس لدى الفيثاغوريين الموحدين الذين وجدوا أيضا أن أصل السلم الموسيقي يعود إلى تركيب من الأرقام العشرة بنسب وفواصل معينة ، وقالوا : إن الموسيقى روح الكون.
أما العقد السبع فهي الصفات الإلهية السبع التي بها يتحقق حكم العالم ظاهرا وباطنا ، وهي الحياة ، العلم ، القدرة ، الإرادة ، السمع ، البصر ، الكلام.
وقوله : (أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) إشارة إلى الصعق الإلهي الذي يصعق فيه جميع من في السموات والأرض ، واستثني من هذا قوله : (إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ) [النّمل : ٨٧] وهؤلاء هم الموحدون المكاشفون المحققون ، الذين لم يعودوا يرون الناس إلا مظاهر متحركة باسمه الظاهر ، وأنهم وآلات وقوى لجسم كوني كبير يحتل الإنسان الكامل منه أعلاه ، فهو له بمثابة التاج. أنشد العارف عبد الغني النابلسي قائلا :
|
واحد لا سواه لكن عليه |
|
من تقاديره ترى أشباحا |
|
لك تبدو به وما هي شيء |
|
فتراها الأجسام والأرواحا |
١٥٦ ـ (وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ١ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4153_altafsir-alsufi-alfalsafi-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
