ونحوه أضيف ذلك إليه ، وهو قول المعتزلة ، وهذا مخالف (١) لقوله اليه السّلام : «السحر حق والعين حق» (٢) ، وقيل (٣) : يؤخذ الرجل عن المرأة بالسحر حتى لا يقدر على الجماع (٤)(وَما هُمْ) أي ليس الساحرون (بِضارِّينَ بِهِ) أي بالسحر (مِنْ أَحَدٍ) أي أحدا (إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) أي بارادته ، فالساحر يسحر والله يكون ، قيل : من شاء الله منعه فلم يضره السحر ، ومن شاء الله خلى بينه وبينه فضره باذنه (٥) ، قوله (وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ) أي الذي يضرهم في الدنيا (وَلا يَنْفَعُهُمْ) في الآخرة وهو السحر ، فيه تنبيه علي اجتناب كل علم يجر صاحبه إلى الغواية كعلم الفلسفة.
روي في قصة الملكين : أن الملائكة عيرت بني آدم لما رأت من ذنوبهم تصعد إلى السماء كالشرك وعبادة غير الله وسفك الدماء وغير ذلك من المعاصي الكبيرة ، وقالوا : ربنا خلقت هؤلاء من التراب وأحسنت خلقهم ورزقتهم ، فعبدوا غيرك وعصوك ، فقال لهم الله : أنهم في عذر وعنت ، لو ركبت فيهم لعصيتموني ، قالوا : سبحانك ما ينبغي لنا أن نعصيك ، قال : فاختاروا منكم اثنين لأركب ذلك فيهما فأهبطهما إلى الأرض فآمرهما وأنهاهما ، فاختاروا هاروت وماروت ، وكانا (٦) من خيارهم واهبطا إلى الأرض ليحكما بما أمرهما نهارا ثم يصعدا إلى السماء ليلا ليعبدا (٧) ربهما فيها إلى الصبح ثم ينزلا إلى الأرض فكانا يحكمان فيها بالحق وقد نهيا عن الشرك والقتل بغير حق والزنا وشرب الخمر ، فجاءت امرأة اسمها زهرة من أجمل النساء تجادل زوجها إليهما فخضعا لها بالقول وراوداها على أنفسهما ، فقالت لا حتى تقضيا لي (٨) على زوجي ففعلا ، ثم سألا لها نفسها ، فقالت : لا حتى تشربا الخمر معي فشربا معها ، ثم سألاها (٩) نفسها ، فقالت : لا حتى تقتلا (١٠) زوجي فقتلاه ، ثم سألاها نفسها ، فقالت : لا إلا أن تصليا معي لصنمي هذا ففعلا ، فكشف الحجاب بينهما وبين الملائكة ، فنظروا إليهما وإلى عملهما فجعلوا يستغفرون لمن في الأرض ويعذرون أهلها ، فلما علما ما حل بهما من المحنة قصدا إدريس فاستشفع لهما فخيرهما الله بين عذابي الدنيا والآخرة فقالا عذاب الدنيا ينقطع وعذاب الآخرة لا انقطاع له ، فاختاروا عذاب الدنيا فيعذبان فيها (١١) ، قيل : «إنهما منكوسان يضربان بسياط الحديد
__________________
(١) مخالف ، ب م : يخالف ، س.
(٢) وهذا الحديث ليس بموجود بهذا اللفظ في المصادر المعتبرة الحديثية التي راجتها. وهو موجود بهذا اللفظ «العين حق». انظر البخاري ، الطب ، ٣٦ ، اللباس ، ٨٦ ؛ وأبو داود ، سليمان بن الأشعث السجستاني ، سنن أبي داود إسطنبول ، ١٩٨١ ، الطب ، ١٥ ؛ والترمذي ، الطب ، ١٩ ؛ والإمام مالك ، ابن أنس ، الموطأ ، إسطنبول ، ١٩٨١ ، العين ، ١ ؛ وأحمد بن حنبل ، ٥ / ٧٠.
(٣) وقيل ، س م : ولذلك قيل ، ب.
(٤) أخذه المؤلف عن السمرقندي ، ١ / ١٤٤.
(٥) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها.
(٦) وكانا ، ب : وكان ، س م.
(٧) ليعبدا ، ب م : ليعبد ، س.
(٨) تقضيا لي ، س م : يقضيا لي ، ب.
(٩) سألاها ، س م : سألا لها ، ب.
(١٠) تقتلا ، س م : يقتلا ، ب.
(١١) اختصر المؤلف هذه الرواية من السمرقندي ، ١ / ١٤٣ ؛ والبغوي ، ١ / ١٢٩ ـ ١٣٢. قال فخر الدين الرازى في تفسيره : «واعلم أن هذه الرواية فاسدة مردودة غير مقبولة ، لأنه ليس في كتاب الله ما يدل على ذلك ، بل فيه ما يبطلها من وجوه ، الأول : ما تقدم من الدلالة الدالة على عصمة الملائكة عن كل المعاصي ، وثانيها : أن قولهم انهما خيرا بين عذاب الدنيا وبين عذاب الآخرة فاسد ، بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة والعذاب ، لأن الله تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره ، فكيف يبخل عليهما بذلك؟ وثالثها : أن من أعجب الأمور قولهم إنهما يعلمان السحر في حال كونهما معذبين ويدعوان إليه وهما يعقبان». انظر مفاتيح الغيب ، ٣ / ١٩٩. وقال ابن كثير في تفسيره : «وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي والحسن وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم ، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين ، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل ، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها ، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى ، والله أعلم بحقيقة الحال». انظر تفسير القرآن العظيم ، ١ / ٢٠٣.
![عيون التفاسير للفضلاء السماسير [ ج ١ ] عيون التفاسير للفضلاء السماسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4145_oyon-altafasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
