الباطلة (وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ) أي ولا ما قدروا في أنفسهم من سبقهم على المؤمنين بسبق كتابهم ونبيهم بشهواتهم الباطلة ، نزل حين قال أهل الكتاب للمؤمنين : كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فنحن أولى بالله منكم ، وقال المؤمنون : نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب بالصدق ، وقد آمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا ، فنحن أولى بالله منكم (١) ، فقال تعالى ردا على الفريقين ليس ما ادعيتم من قولكم نحن أولى بالله منكم أو ليس ما وعد الله من الثواب بتمنيكم ولا بتمني أهل الكتاب ، بل ذلك بالعمل الصالح وترك المعصية ، يوضحه (٢) قوله (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ) أي يعاقب (بِهِ) ولا ينفعه تمنيه ، وهو عام في حق غير التائب ، وقيل : عام في الكل (٣) لما روي أنه لما نزل شق ذلك على المسلمين ، فقال أبو بكر كيف الفلاح بعد هذه الآية يا رسول الله؟ فقال عليهالسلام : «ألست تمرض ألست تحزن ألست يصيبك البلوى ، أي الشدة ، فذلك كله جزاؤه» (٤) ، وقيل : «المراد من السوء الكفر» (٥)(وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ) أي لا يجد الكافر لنفسه من غير الله (وَلِيًّا) أي قريبا أو محبا ينفعه في الآخرة بالشفاعة (وَلا نَصِيراً) [١٢٣] أي مانعا يمنعه من عذاب الله.
(وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (١٢٤))
ثم قال (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ) أي بعض الصالحات (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى) بيان لما فيه إبهام (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) حال من الضمير في (يَعْمَلْ) ، أي والحال أنه مصدق بالثواب والعقاب يوم البعث (فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) قرئ معلوما ومجهولا (٦)(وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً) [١٢٤] أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم قدر النقير ، وهو النقرة في ظهر النواة وذكر انتفاء الظلم في حق الصالحين فقط تفضيلا (٧) لهم أو هو من قبيل الاكتفاء.
(وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (١٢٥))
ثم قال تفضيلا لدين الإسلام على غيره من الأديان (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ) أي أخلص (وَجْهَهُ) أي دينه أو انقاد بجملته ظاهرا وباطنا (لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) أي موحد ، عامل للحسنات وتارك للسيئات (٨)(وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) حال من ضمير (اتَّبَعَ) أو من (إِبْراهِيمَ) ، أي حال كونه مائلا عن الأديان كلها إلى دين الإسلام (٩)(وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً) [١٢٥] أي صفيا ، وهو من ليس في مودته خلل ، والجملة اعتراض يفيد (١٠) تأكيد وجوب اتباع ملته ، والواو للحال لا للعطف ، المعنى : أن الأحسن في الدين من يمتثل أمر الله ويوافق رضاه كموافقة الخليل خليله ، روى جابر عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «اتخذ الله إبراهيم خليلا لإطعامه الطعام وإفشائه السّلام وصلوته بالليل والناس نيام» (١١).
(وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦))
ثم قال تأكيدا لامتثال أمر الله (وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) أي الله مالك أهلهما ، فطاعته واجبة عليهم لكونهم عبيده ، وحكمه نافذ فيهم (وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً) [١٢٦] أي أحاط علمه بكل شيء من
__________________
(١) عن مسروق وقتادة ، انظر الواحدي ، ١٥٣ ؛ وانظر أيضا البغوي ، ٢ / ١٦٠ ـ ١٦١.
(٢) يوضحه ، ب م : توضحه ، س.
(٣) عن ابن عباس وسعيد بن جبير وجماعة ، انظر البغوي ، ٢ / ١٦١.
(٤) أخذه عن السمرقندي ، ١ / ٣٩٠.
(٥) عن الضحاك ، انظر السمرقندي ، ١ / ٣٩١.
(٦) «يدخلون» : قرأ المكي والبصري وشعبة وأبو جعفر وروح بضم الياء وفتح الخاء ، والباقون بفتح الياء وضم الخاء. البدور الزاهرة ، ٨٥.
(٧) تفضيلا ، ب م : تفضلا ، س.
(٨) للسيئات ، ب س : السيئات ، م.
(٩) الإسلام ، س م : السّلام ، ب.
(١٠) يفيد ، ب م : تفيد ، س.
(١١) انظر السمرقندي ، ١ / ٣٩٢. ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها.
![عيون التفاسير للفضلاء السماسير [ ج ١ ] عيون التفاسير للفضلاء السماسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4145_oyon-altafasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
