(وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢))
(وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً) أي صغيرة (أَوْ إِثْماً) أي كبيرة ، وقيل : الخطيئة سرق الدرع ، والإثم اليمين الكاذبة للسارق (١)(ثُمَّ يَرْمِ بِهِ) أي بالإثم (بَرِيئاً) أي اتهم به من هو بريء من الإثم كما رمى طعمة زيد اليهودي بالسرقة (فَقَدِ احْتَمَلَ) أي تحمل (بُهْتاناً) أي ما يتهم به الإنسان من الكذب (وَإِثْماً مُبِيناً) [١١٢] أي ذنبا ظاهرا لا يعفى عنه.
(وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣))
(وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ) يا محمد بعصمة النبوة (وَرَحْمَتُهُ) أي وحيه إليك لاطلاعك على أسرارهم (لَهَمَّتْ) أي لقصدت (طائِفَةٌ مِنْهُمْ) أي من المنافقين (أَنْ يُضِلُّوكَ) عن الحق ويخطئوك في الحكم ، وهم قوم طعمة (وَما يُضِلُّونَ) عن الحق (إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) لأن وبال ذلك الإضلال راجع عليهم (وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ) لأن الله يعصمك من الناس ، وإنما يضروك بأنفسهم (وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ) أي القرآن (٢)(وَالْحِكْمَةَ) أي الموعظة والقضاء بالوحي (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) من الغيب والأحكام قبل الوحي (وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) [١١٣] بالنبوة والتعليم والعصمة من الناس.
(لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤))
قوله (٣)(لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ) أي من تناجيهم وتدبيرهم بينهم ، وهو صفة ل «كثير» ، والمراد تناجى قوم طعمة أو تناجى جميع الناس فيما بينهم من الأحاديث الردية (إِلَّا مَنْ) محله جر بدل من نجويهم بتقدير المضاف ، أي إلا نجوى من (أَمَرَ بِصَدَقَةٍ) إن كان له مال أو أمر غيره بأن يتصدق إن لم يكن له مال (أَوْ مَعْرُوفٍ) أي بكل فعل جميل في الشرع كالقرض للفقير وإعانة الملهوف أو الصدقة الفرض ، والمعروف التطوع أو القول بالمعروف والنهي عن المنكر (أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) لدفع العداوة والبغضاء من بينهم ، قال عليهالسلام : «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصائم والقائم ، قيل : بلى يا رسول الله ، قال : إصلاح ذات البين وإفساد ذات البين هي الحالقة التي تحلق الدين لا الشعر» (٤) ، وقال أيضا : «كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا من أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكر الله» (٥) ، وفي الآية ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله ، ثم ذكر الفاعل والوعد بالأجر ليدل به على أنهما من زمرة الخيرين المستحقين به ، فقال تعالى (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ) أي الذي ذكر من الأشياء الثلاثة (ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ) أي لطلب رضاه لا لسبب آخر ، لأن العمل لغيره لا يقبل عنده (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ) بالنون وياء الغيبة (٦) ، أي نعطيه في الآخرة (أَجْراً عَظِيماً) [١١٤] أي ثوابا كبيرا في الجنة.
(وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥))
قوله (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ) نزل حين قدم نفر من قريش المدينة ، وأسلموا ، ثم رجعوا إلى مكة مرتدين (٧) ،
__________________
(١) للسارق ، ب س : للسارقة ، م. لعله أخذه من البغوي ، انظر البغوي ، ٢ / ١٥٤.
(٢) أي القرآن ، ب م : ـ س.
(٣) قوله ، م : ـ ب س.
(٤) أخرج نحوه أحمد بن حنبل ، ٦ / ٤٤٤ ـ ٤٤٥ ؛ ومالك ، حسن الخلق ، ٧ ؛ وانظر أيضا البغوي ، ٢ / ١٥٦.
(٥) أخرجه الترمذي ، الزهد ، ٦٣ (أو ، ٦٢) ؛ وابن ماجة ، الفتن ، ١٢ ؛ وانظر أيضا الكشاف ، ١ / ٢٧١.
(٦) «نؤتيه» : قرأ البصري وحمزة وخلف بالياء التحتية ، والباقون بالنون. البدور الزاهرة ، ٨٥.
(٧) عن الضحاك ، انظر السمرقندي ، ١ / ٣٨٨ ؛ وانظر أيضا البغوي ، ٢ / ١٥٧.
![عيون التفاسير للفضلاء السماسير [ ج ١ ] عيون التفاسير للفضلاء السماسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4145_oyon-altafasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
