سلمتم بتحية ، أي بقول السّلام عليكم ، فسلموا بأحسن منها ، أي بقول عليكم السّلام ورحمة الله ، وإذا قال المسلم السّلام عليكم ورحمة الله ، فقولوا عليكم السّلام ورحمة الله وبركاته ، وإذا قال السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته فردوا مثلها ، أي فقولوا وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته ، فانه مثلها ، قال ابن عباس رضي الله عنه : انتهى السّلام إلى البركة (١) ، ففي قوله (رُدُّوها) حذف مضاف ، أي ردوا مثلها ، و «أو» فيه تخيير بين الزيادة والرد ، والسّلام سنة على الكفاية ، والرد فرض على الكفاية ، وإذا قاله بعض سقط عن كل ، قيل : إذا قال رجل السّلام عليك بالإفراد فقل عليكم السّلام بالجمع ، لأن المؤمن لا يكون وحده ، ولكن معه الملائكة (٢) ، وإذا سلم رجل على الخطيب أو على قارئ القرآن جهرا أو على معلم العلم الشرعي أو على الشارع في الأذان والإقامة لا يرد سلامه ، وقال عليهالسلام : «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السّلام بينكم» (٣) ، ولا سلام على إمرأة أجنبية ولا على أهل بدعة وكفر ولعبة ، ويبدأ الأعلى بالسلام على الأدنى كالراكب والماشي على خلافهما ، ويسلم (٤) الصغير على الكبير والأقل على الكثير ، وإذا سلم الذمي فقل : عليك ، بلا واو أو عليك مثله ، ولا تبادره بالسلام إلا لضرورة أو لحاجة لك عنده (إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) [٨٦] أي محاسبا يحاسبكم على السّلام وغيره ، وفيه تهديد عظيم.
(اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً (٨٧))
قوله (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) مبتدأ ، خبره القسم وجوابه ، تقديره : الله والله (٥)(لَيَجْمَعَنَّكُمْ) أي ليحشرنكم ، واللام في جواب القسم (إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) أي في قبوركم إلى قيام الساعة للحساب والعذاب لمن كفر والثواب لمن آمن ، نزل للذين شكوا في البعث لرفع (٦) الشك عنهم (٧) بقوله (لا رَيْبَ فِيهِ) أي لا شك في ذلك اليوم عند المؤمن أو لا ينبغي أن يشك فيه عند كل عاقل (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً) [٨٧] قرئ بالصاد الخالصة وبالزاء المشممة (٨) ، أي لا أحد أصدق من الله كلاما ، لأنه منزه عن الكذب لقبحه وهو إخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه وهو لا يليق بذاته تعالى فآمنوا بما قال ووعد.
(فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨))
قوله (فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ) نزل في قوم هاجروا من مكة إلى المدينة مسلمين ، ثم رجعوا إلى مكة وكتبوا إلى رسول الله أنا على دينك ولكنا اشتقنا إلى بلدنا ، ولم نحتمل هواء المدينة ، فاختلف المسلمون في أمرهم من الإسلام والكفر (٩) ، فبين الله لهم نفاقهم ، فقال : ما لكم صرتم في شأن المنافقين (فِئَتَيْنِ) أي فرقتين ولم تقطعوا بكفرهم (وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ) أي ردهم إلى حالهم الأول وهو الكفر (بِما كَسَبُوا) أي بسبب عملهم وهو ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين ، ثم قال بالاستفهام للتوبيخ على الذين طلبوا هدايتهم عن الضلالة (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا) أي ترشدوا (مَنْ أَضَلَّ اللهُ) عن الهدى (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ) عن الهدى (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً) [٨٨] أي طريقا إلى الحق وهو دين الإسلام.
(وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩))
__________________
(١) انظر البغوي ، ٢ / ١١٨.
(٢) نقله المفسر عن السمرقندي ، ١ / ٣٧٣.
(٣) أخرجه مسلم ، الإيمان ، ٩٣ ؛ وانظر أيضا البغوي ، ٢ / ١١٩.
(٤) يسلم ، ب س : سلم ، م.
(٥) تقديره الله والله ، ب : تقدير الله والله ، س ، تدبر والله ، م.
(٦) لرفع ، ب م : لدفع ، س.
(٧) أخذه عن السمرقندي ، ١ / ٣٧٣.
(٨) «أصدق» : قرأ الأصحاب ورويس باشمام الصاد الزاي ، وغيرهم بالصاد الخالصة. البدور الزاهة ، ٨٢.
(٩) عن مجاهد ، انظر الواحدي ، ١٤٣ ؛ والبغوي ، ٢ / ١٢٠.
![عيون التفاسير للفضلاء السماسير [ ج ١ ] عيون التفاسير للفضلاء السماسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4145_oyon-altafasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
