فأمّا أهل الكمال والسعادة فمن حيث إنَّهم كسبوا تلك الكمالات ، ونالوا تلك السعادات في تلك الأبدان المستودعة في تلك القبور والترب ؛ فلأرواحها عناية خاصّة بأبدانها. وأمَّا أهل الضلال والشقاوة فلمَّا ذكر أيضاً من كون أبدانها ظرفاً لأرواحها ؛ ولذا نُهي عن كسر عظم الميت ، ووطء قبره ، والجلوس عليه. وعلى هذا التقرير ، فإذا ذهب الإنسان إلى قبر إنسان قوي النفس ، کامل الجوهر شديد التأثير ، كقبور الأئمّة عليهمالسلام ، والشهداء ، والأولياء الصالحين ، والعلماء الراشدين ، ووقف هناك ساعة من وجهة السؤل ، وصفاء العقيدة ، تأثَّرت نفسه من تلك التربة ، وحصل لنفس هذا الزائر تعلُّق بتلك التربة. وقد عرفت أن لنفس الميِّت أيضاً تعلّقاً بها فيحصل بين النفسين ملاقاة روحانية ، وبهذا الطريق تصير الزيارة سبباً لحصول المنافع الجزيلة ، والابتهاج العظيم لروح الزائر والمزور ، هذا هو الحكمة الشرعية في شرعية زيارة القبور (١).
قال في كتاب (محبوب القلوب) : (إنّه لمّا توفّي أرسطاطاليس الحكيم اليوناني ، نقل أهل اسطاغيرا رمّته بعدما بلیت ، وجمعوا عظامه وصيّروها في إناء من نحاس ، ودفنوها في الموضع المعروف بأرسطوطاليسي ، وصيّروه مجمعاً لهم يجتمعون فيه للمحاورة (٢) في جلائل الأُمور ، وإذا أصعب عليهم شيء من فنون الحكمة والعلم أتوا ذلك الموضع وجلسوا إليه ، ثُمَّ تناظروا فيما بينهم حَتَّى يستنبطوا ما أشكل عليهم ، ويصح لهم ما شجر بينهم ، وكانوا يرون أن مجيئهم إلى الموضح الَّذي في عظام أرسطو يزكّي عقولهم ، ويصحّ فكرهم ، ويلطّف أذهانهم ، وأيضاً
__________________
(١) محبوب القلوب ١ : ٢٧ ـ ٢٧.
(٢) في المصدر : (للمشاورة).
![تحفة العالم في شرح خطبة المعالم [ ج ١ ] تحفة العالم في شرح خطبة المعالم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4144_tuhfat-alalem-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
