المعنى : الَّذين يعلمون هم القانتون الموصوفون بالصفات المحمودة المذكورة فيما قبلها.
أي : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ (١) ، والَّذين لا يعلمون هم : التاركون لتلك الصفات.
وهذه الآية على هذا التفسير بيان للسابق ، وإشارة إلى [أنَّ] منشأ تلك الصفات هو العلم ، ومنشأ عدمها هو الجهل. وتنبيه على شرف العلم وفضله ، وفضل العلماء على الجهّال ، ونفي استواء الفريقين باعتبار القوَّة العلمية ، كما أنَّ السابق نفي لاستوائها باعتبار القوَّة العملية للإشعار بأنّ الحقيقة الإنسانية إنّما تتسم بالنباهة والجلال ، وتتصف بالفضيلة والكمال باعتبار العلم والعمل. فمن لم يتصف بهما ليس له من وصف الإنسانية إلّا الاسم ، ولا من حقيقتها إلّا الرسم. وإنّما اُخّر العلمُ عن العمل مع أنّه تابع له متوقّف عليه للتنبيه على أنّ العمل هو الفرض الأصلي من العلم ، حَتَّى أنّ العالم إذا لم يعمل بعلمه كانت الحجّة عليه أعظم ، والحسرة عليه أدوم.
ثمّ بين عزَّ وجلَّ : أنّ هذا التفاوت العظيم بين العالم والجاهل ، وبين القانت وغيره ، لا يعرفه إلّا ذوو العقول الكاملة عن غواشي الأوهام ؛ لأنَّهم القادرون على التمييز بين الحقَّ والباطل بما لهم من بصيرة عقليّة وقوة روحانية ، دون غيرهم ممن كان على بصرهم غشاوة ، وفي صفحات قلوبهم قساوة (٢).
__________________
(١) سورة الزمر : من آية ٩.
(٢) شرح اُصول الكافي للمازندراني ١ : ١٤١.
![تحفة العالم في شرح خطبة المعالم [ ج ١ ] تحفة العالم في شرح خطبة المعالم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4144_tuhfat-alalem-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
