المبحث الثالث
موقفه من الكوفيين والبصريين
من خلال القراءة المتأنّية لكتاب (درج الدرر) يتبيّن أنّ مؤلّفه أكثر ميلا إلى المدرسة الكوفيّة ، فنراه يقدّم آراء الكوفيّين ، وربّما اكتفى بها ، أو بتفسيرها ، ولا سيّما آراء الفرّاء ، أحد أشهر أئمّة الكوفيّين. ولكنّ هذا لا يعني إغفاله آراء البصريّين التي قد يعرضها مع آراء الكوفيّين ، وقد يفصّل في توضيحها ، وربّما رجّحها على غيرها ، ولكنّ ترجيحه هذا قد لا يكون ميلا إلى مذهب نحويّ ، وإنّما انسجاما مع مذهبه الفقهيّ. ويمكن تبيان ما ذهبنا إليه من خلال الأمثلة على النّحو الآتي :
في قوله تعالى : (ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً) [البقرة : ٢٦] قدّم رأي الكوفيّين في انتصاب (مثلا) على القطع ، ووضّحه بما يوحي أنّه رأيه ، ثمّ أردفه بذكر رأي البصريّين ، فقال : «(مَثَلاً) : انتصب على القطع ، فكأنّه قال : بهذا المثل ، فلمّا قطعت الألف واللام انتصب ، وعند البصريين انتصب على الحال ، كقوله : (وَهذا بَعْلِي شَيْخاً) [هود : ٧٢]» (١).
وفي قوله تعالى : (فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى) [البقرة : ٧٣] تحدّث عن أصل (ميّت) عند الفراء ، وفصّل فيه ، أمّا رأي البصريّين فأوجزه بكلمتين ، وأورده بصيغة (قيل) ، فقال : «و (الموتى) : جمع ميّت ، وأصله عند الفرّاء : مويت ، كصريع وصرعى ، وجريح وجرحى ، فاستثقلت الكسرة على الواو والخروج من الواو إلى الياء ، فجعل ياء ، فأدغمت الياء في الياء. وقيل : أصله : ميوت» (٢).
وقدّم قول الكوفيّين أيضا ، وأتبعه بقول البصريّين في كلامه على انتصاب (مُصَدِّقاً) في قوله تعالى : (وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً) [البقرة : ٩١] ، فقال : «و (مُصَدِّقاً) : نصب على القطع كوفيّا ، وعلى الحال بصريّا» (٣). وفعل مثل ذلك في قوله تعالى : (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً) [البقرة : ١٠٩] ، فقال : «(كُفَّاراً) : نصب على القطع ؛ لأنّه جاء بعد تمام الكلام ، وعند البصريّين نصب على الحال» (٤).
وفي كلامه على (أشياء) في قوله تعالى : (لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)
__________________
(١) درج الدرر ٢٩.
(٢) درج الدرر ٨٦.
(٣) درج الدرر ١٠٣.
(٤) درج الدرر ١٣١.
![درج الدّرر في تفسير القرآن ّالعظيم [ ج ١ ] درج الدّرر في تفسير القرآن ّالعظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4142_doraj-aldorar-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
