وقيل : معناه : ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم على جمر جهنّم ونارها ؛ جزاء على ترك الإيمان وعقوبة عليه ، (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (١١٠) ؛ أي نتركهم في ضلالتهم يتحيّرون ويتردّدون.
وقوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ ؛) نزلت هذه الآية في رهط من أهل مكّة من المستهزئين ، وهم : الوليد بن المغيرة ؛ والعاص بن وائل ؛ والأسود بن عبد يغوث ؛ وغيرهم. قالوا : يا محمّد ؛ ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك : أحقّ ما تقول أم باطل؟ فنؤمن بك ، وأرنا الملائكة يشهدون أنّك رسول الله ، وائتنا بالله والملائكة قبيلا ـ أي كفيلا ـ على ما تقول إنه الحقّ. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ومعناها : (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ) معاينة للشّهادة على نبوّتك كما سألوك ، (وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى) بأنك رسول الله ، وأنّ القرآن كلامه ، وجمعنا عندهم كلّ شيء من الطّير والوحوش والسّباع وسائر الدواب كفيلا يكفلون بصحّة ما تقول يا محمّد ، ما كانوا ليؤمنوا بك إلا أن يوفّقهم الله للإيمان ، (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) (١١١) ؛ أنّ الله قادر على ذلك.
ويجوز أن يكون معنى (قبلا) (١) أي قبيلا يقابلهم ويواجههم من المقابلة ، ويقال : جماعة على معنى أن القبل جمع القبيل ، والقبيل جمع القبيلة ؛ كسفينة وسفن. قرأ أهل المدينة والشام : (قبلا) بكسر القاف وفتح الباء ؛ أي معاينة ؛ والمعنى : لو ناطقتهم الأرض والسّماء والطير والوحوش أن محمّدا رسول الله ، وأن ما أتاكم به حقّ ، قالوا لهم ذلك معاينة ومشافهة ؛ ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله.
قوله عزوجل : (وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ) أي كما جعلنا لك ولأمّتك أعداء مثل أبي جهل وأصحابه ، كذلك جعلنا لمن تقدّمك من الأنبياء وأممهم عدوّا. و (شياطين) نصب على البدل من (عدوّا) ومفسّرا له ، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا.
__________________
(١) (قبلا) سقطت من المخطوط.
![التفسير الكبير [ ج ٣ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4137_altafsir-alkabir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
