قوله عزوجل : (قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ ؛) أي بيّنا العلامات الدالّات على توحيد الله مفصّلة ، (لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) (٩٨) ؛ أي لقوم يستدلّون بمعاني الآيات.
والفقه في اللّغة : هو الفهم لمعنى الكلام ، إلا أنه قد جعل في العرف عبارة عن علم الغيب ، على معنى أنه استدراك معنى الكلام بالاستنباط عن الأصول ، ولهذا لا يجوز أن يوصف الله تعالى بأنه فقيه ؛ لأنه يوصف بالعلم ؛ والعلم حجّة الاستنباط ، ولكنه عالم بجميع الأشياء على وجه واحد.
قوله عزوجل : (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ؛) أي أنزل من السّماء المطر ، فإن الله تعالى منزّل المطر من السماء إلى السّحاب ، وينزّل من السحاب إلى الأرض ، كما قال تعالى : (وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً)(١) وقوله تعالى : (فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ) أي فأخرجنا بالمطر نبات كلّ صنف من أصناف الحبوب معاشا لهم.
فإن قيل : كيف قال الله تعالى : (فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ) فجعل المطر سببا للنبات ، والفاعل بالسبب يكون مستعينا بفعل السبب ، والله تعالى مستغن عن الأسباب؟
قيل : إنّما قال الله تعالى : (فَأَخْرَجْنا بِهِ ؛) لأن المطر سبب يؤدّي إلى النّبات ، وليس بمولود له ، والله تعالى قادر على إنبات النبات بدون المطر ، وإنّما يكون الفاعل بالسبب مستعينا بذلك السبب إذا لم يمكنه فعل ذلك الشّيء إلا بذلك السبب ، كما أنّ الإنسان إذا لم يمكنه أن يصعد السطح إلا بالسّلّم ، كان السّلّم آلة الصّعود ، والطائر إذا صعد السطح بالسّلّم ، لم يكن السّلّم آلة له ؛ لأنه يمكنه أن يصعد السطح بدون السّلم.
قوله تعالى : (فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً ؛) أي أخرجنا من المطر نباتا أخضر ؛ وهو ساق السّنبلة ، وقوله تعالى : (نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً ؛) أي نخرج من ساق السّنبلة ما قد ركب بعضه بعضا ؛ يعني سنابل البرّ والشعير والأرزّ والذرّة وسائر الحبوب ، يركب بعضه بعضا.
__________________
(١) ق / ٩.
![التفسير الكبير [ ج ٣ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4137_altafsir-alkabir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
