فضاء من الأرض ؛ (ثُمَّ نَبْتَهِلْ) ؛ أي نلتعن ، والبهلة : اللّعنة ؛ يقال : بهله الله ؛ أي لعنه الله وباعده. ويقال : معنى (نَبْتَهِلْ) : نجتهد ونتضرّع في الدّعاء على الكاذب. ثم فسّر الابتهال فقال تعالى : (فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١)) ؛ أي نقول : لعنة الله على الكاذبين في أمر عيسى.
قرأ الحسن وأبو واقد وأبو السمّال العدويّ : (تعالوا) بضمّ اللام. وقرأ الباقون : (تعالوا) بفتح اللّام ، والأصل فيه : تعاليوا ؛ لأنه تفاعلوا من العلوّ ، فاستثقلت الضمّة على الياء فسكّنت ثم حذفت وبقيت اللام على فتحها ، ومن ضمّ فقد نقل حركة الياء المحذوفة إلى اللّام. قال الفرّاء : (معنى تعال : ارتفع).
فلمّا قرأ رسول الله صلىاللهعليهوسلم هذه الآية على نصارى نجران وقال لهم : [إنّ الله أمرني أن أباهلكم إن لم تقبلوا] قالوا له : يا أبا القاسم ؛ بل نرجع فننظر في أمرنا ثمّ نأتيك فنعلمك ، فرجعوا وخلا بعضهم ببعض ، وقال السّيّد للعاقب : قد والله علمت أنّ الرّجل نبيّ مرسل ، ولئن لاعنتموه يا معشر النّصارى ليستأصلنّكم ، وما لاعن نبيّ قوما قطّ فعاش كثيرهم ولا ثبت صغيرهم ، وإن أنتم أبيتم إلّا دينكم فواعدوه وارجعوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم من الغدوّ وقد خرج بنفر من أهله محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن ؛ وفاطمة تمشي على إثرهم وعليّ بعدها وهو يقول لهم : [إذا أنا دعوت فأمّنوا]. فقال واحد من النّصارى : والله إنّي لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله ، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على الأرض نصرانيّ إلى يوم القيامة. فقالوا : يا أبا القاسم ؛ قد رأينا أن لا نلاعنك ونتركك على دينك ونثبت على ديننا ، فقال صلىاللهعليهوسلم : [فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم]. فأبوا ؛ فقال : [إنّي أنابذكم] فقالوا : ما لنا بحرب العرب من طاقة ، ولكنّا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردّنا عن ديننا ؛ على أن نؤدّي إليك كلّ عام ألفي حلّة ؛ ألف في صفر وألف في رجب. فصالحهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم على ذلك وقال لهم : [وإن كان كيد باليمن أعنتمونا بثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا ، والمسلمون ضامنون لها حتّى
![التفسير الكبير [ ج ٢ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4136_altafsir-alkabir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
