قوله تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) ؛ أي أعاقبهم عقوبة شديدة في الدّنيا بالقتل والسّبي والجزية ، وفي الآخرة بالنار ، (وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦)) ؛ أي مانعين يمنعونهم من عذاب الله.
قوله عزوجل : (وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ) ؛ قرأ الحسن وحفص (فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ) بالياء (١) ، ومعناه : الذين صدقوا وعملوا الصالحات نكمل لهم ثواب أعمالهم بالطاعة ؛ (وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)) ؛ أي لا يرحمهم ولا يغفر لهم.
قوله عزوجل : (ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)) ؛ أي ما جرى من القصص ننزل به عليك يا محمّد فيتلوه عليك جبريل بأمرنا. وإنّما أضاف التلاوة إلى نفسه ؛ لأنه حصل بأمره ، (وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) أي ومن القرآن ومن الحكمة بالتّأليف والنّظم ، وسمّاه حكيما لأنه بما فيه من الحكمة كأنه ينطق بالحكمة. ويقال : معنى الحكيم المحكم وهو فعيل بمعنى مفعول.
قوله عزوجل : (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)) ؛ قال ابن عباس : وذلك أنّ وفد نصارى نجران : أسيد والعاقب وغيرهم من علمائهم جاؤوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال لهم النّبيّ صلىاللهعليهوسلم : [أسلموا] فقالوا : أسلمنا قبلك ، فقال صلىاللهعليهوسلم : [يمنعكم من الإسلام ثلاث : أكلكم الخنزير ؛ وعبادتكم الصّليب ؛ وقولكم لله عزوجل ولد] فقالوا له : ما لك تشتم صاحبنا؟ قال صلىاللهعليهوسلم : [وما أقول؟] قالوا : تقول إنّه عبد الله ، قال [أجل ؛ هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول] فغضبوا وقالوا : هل رأيت إنسانا قطّ من غير أب؟! (٢) فأنزل الله عزوجل : (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ) أي صفة خلق عيسى بلا أب كصفة خلق آدم ، خلقه من تراب من غير أب ولا أمّ ثم قال
__________________
(١) ينظر : أبو علي الفارسي : الحجة للقراءات السبعة : ج ٢ ص ٢٢ ، طبعة دار الكتب العلمية : ط ١.
(٢) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص (٥٦٤٧).
![التفسير الكبير [ ج ٢ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4136_altafsir-alkabir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
