فيقولون له : من أخبرك بهذا؟ فيقول : عيسى ، فحبسوا أولادهم عنه وقالوا لا تلعبوا مع هذا السّاحر ، فجمعوهم في بيت ، فجاء عيسى يطلبهم ، فقالوا له : ليسوا هنا ، قال : فما في هذا البيت؟ قالوا : خنازير ، فقال عيسى : كذلك يكونون إن شاء الله ، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير بأجمعهم ، فهمّوا بعيسى أن يقتلوه ، فلمّا خافت عليه أمّه حملته على حمار لها وخرجت به هاربة إلى مفازة) (١).
قوله تعالى : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)) ؛ أي إنّ ما قلت لكم علامة لكم في نبوّتي إن كنتم مصدّقين بالله عزوجل.
قوله تعالى : (وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ) ؛ معناه : وجئتكم (مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ) أي أتيت بالتوراة وأحكامها وصدّقتها ، وقيل : يعني بالتصديق أنّ في التوراة البشارة بي ، فإذا خرجت فقد صدّقت ذلك ، ولا يجوز أن يكون (وَمُصَدِّقاً) عطفا على (وَرَسُولاً) لأنه لو كان ذلك لقال ومصدّقا لما بين يديه.
قوله عزوجل : (وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) ؛ لأنه كان في التوراة أشياء محرّمة حلّل عيسى بعضها وهو العمل في يوم السبت ؛ وشحوم البقر والغنم وسائر ما حرّم عليهم بظلمهم. وقيل : معناها : ولأحلّ لكم كلّ الذي حرّم عليكم أحباركم لا ما حرّم أنبياؤكم ، ويكون البعض بمعنى الكلّ ، واستدلّ صاحب هذا القول بقول لبيد :
|
ترّاك أمكنة إذا لم أرضها |
|
أو يعتلق بعض النّفوس حمامها |
قيل : معناه : كلّ النفوس. وقال الزجّاج : (لا يجوز أن يكون البعض عبارة عن الكلّ ؛ لأنّ بعض الشّيء جزء منه). قال : (ومعنى قول لبيد : أو ما يعتلق نفسي حمامها ؛ لأنّ نفسه بعض النّفوس) (٢). وقرأ النخعيّ : (ولاحلّ لكم بعض الّذي حرم
__________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص (٥٥٩٥).
(٢) وهذا القول غلط عند أهل النظر من أهل اللغة ؛ لأن البعض والجزء لا يكونان بمعنى الكلّ في هذا الموضع ، لأن عيسى عليهالسلام إنما أحل لهم أشياء مما حرمها عليهم موسى من أكل الشّحوم وغيرها ، ولم يحل لهم القتل ولا السرقة ولا فاحشة. والدليل على هذا أنه روي عن قتادة أنه =
![التفسير الكبير [ ج ٢ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4136_altafsir-alkabir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
