التحيّة في اللغة الملك ، وكانوا يقولون قبل الإسلام : حيّاك الله ؛ أي ملّكك الله ، ثم أبدلوا بهذا اللفظ بالسّلام بعد الإسلام ، وأقيم السلام مقام قولهم : حيّاك الله. قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦)) ؛ أي مجازيا يعطي كلّ شيء من العلم والحفظ والجزاء مقدارا يحسبه ؛ أي يكفيه ، يقال : حسبك هذا ؛ أي اكتف به ، وقوله تعالى : (عَطاءً حِساباً)(١) أي كافيا.
قوله تعالى : (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ) ؛ أي لا إله في الأرض وفي السّماء غيره ، واللام في (لَيَجْمَعَنَّكُمْ) لام أنفسهم ، كأنه قال الله : يجمعكم في الحياة والموت في قبوركم ، إلى يوم القيامة لا ريب فيه ؛ أي لا شكّ فيه أنه كائن لا محالة. قوله تعالى : (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً (٨٧)) ؛ استفهام بمعنى النّفي ، ليس أحد أوفى من الله تعالى وعدا ولا أصدق منه قولا ، ولا صادقا إلّا ويوجد غيره على خلاف مخبره وقتا من الأوقات (٢) إلّا الله عزوجل ؛ فمن أصدق من الله حديثا.
قوله عزوجل : (فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ) ؛ قال ابن هشام : (هاجر أناس من قريش فقدموا على رسول الله صلىاللهعليهوسلم المدينة فأسلموا ، ثمّ ندموا على ذلك وأرادوا الرّجعة ، فقال بعضهم لبعض : كيف نخرج؟ قالوا : نخرج كهيأة المتنزّهين ، فقالوا للمسلمين : إنّا قد اجتوينا المدينة فنخرج ونتنزّه ـ أي نتفسّح ـ فصدّقوهم ، فخرجوا فجعلوا يباعدون قليلا حتّى بعدوا ، ثمّ أسرعوا في السّير إلى مكّة حتّى لحقوا بها ، وكتبوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم : أنّا على ما فارقناكم عليه من التّصديق ، ولكنّا اشتقنا إلى أرضنا واجتوينا المدينة.
ثمّ أنّهم أرادوا أن يخرجوا في تجارتهم إلى الشّام ، فاستبضعهم أهل مكّة وقالوا : أنتم على دين محمّد ، فإن لقوكم فلا بأس عليكم منهم. فخرجوا من مكّة
__________________
(١) النبأ / ٣٦.
(٢) في المحرر الوجيز : ص ٤٦٢ ؛ قال ابن عطية : (والصدق في حقيقته أن يكون ما يجري على لسان المخبر موافقا لما في قلبه ، وللأمر المخبر عنه في وجوده).
![التفسير الكبير [ ج ٢ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4136_altafsir-alkabir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
