العبوس ليس من صفات النبيّ مع الأعداء فكيف مع المؤمنين المسترشدين. ثمّ الوصف بأنّه يتصدّى للأغنياء ويتلهّى عن الفقراء ، لا يشبه أخلاقه الكريمة ؛ لقوله سبحانه : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ). (١) والظاهر أنّ المراد بقوله : (عَبَسَ وَتَوَلَّى) غيره. وروي عن الصادق عليهالسلام : انّها نزلت في رجل من بني أميّة كان عند النبيّ فجاء ابن أمّ مكتوم فلمّا رآه تقذّر منه وعبس في وجهه وجمع نفسه. فحكى الله عنه ذلك وأنكره عليه. فإن قيل : لو صحّ الخبر الأوّل ، هل يكون العبوس ذنبا أم لا؟ الجواب : انّ العبوس والانبساط مع الأعمى سواء ـ لأنّه لا يشقّ عليه ذلك ، فلا يكون ذنبا. فيجوز أن يكون إنّما عاتبه ليأخذه بأوفر محاسن الأخلاق وينبّهه على عظم حال المؤمن المسترشد ويعرّفه أنّ تأليف المؤمن ليقيم على إيمانه أولى من تأليف المشرك طمعا في إسلامه. وقال الجبّائيّ : وفي هذا دلالة على أنّ الفعل يكون معصية فيما بعد لمكان النهي. فأمّا في الماضي ، فلا يدلّ على أنّه كان معصية قبل ان ينتهى عنه. وقيل : إنّ ما فعل الأعمى كان من سوء الأدب ، فحسن تأديبه بالإعراض عنه إلّا أنّه كان يجوز أن يتوهّم أنّه إنّما أعرض عنه لفقره وأقبل عليهم لرئاستهم تعظيما لهم ، فعاتبه الله على ذلك. (٢)
[١ ـ ٤] (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤))
قال : نزلت في عثمان وابن أمّ مكتوم. وكان ابن أمّ مكتوم مؤذّنا لرسول الله صلىاللهعليهوآله وكان أعمى. وجاء إلى رسول الله وعنده أصحابه. فقدّمه رسول الله على عثمان ، فعبس عثمان وجهه وتولّى. فأنزل الله : (عَبَسَ وَتَوَلَّى). يعني عثمان. (يَزَّكَّى) ؛ أي : يكون طاهرا أزكى (أَوْ يَذَّكَّرُ). قال : يذكّره رسول الله. (٣)
(أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى) : لأن جاءه الأعمى. كأنّه يقول : قد استحقّ عنده العبوس و
__________________
(١) القلم (٦٨) / ٤.
(٢) مجمع البيان ١٠ / ٦٦٣ ـ ٦٦٤.
(٣) تفسير القمّيّ ٢ / ٤٠٤ ـ ٤٠٥.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٥ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4135_uqud-almarjan-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
