فهلّا قيل : كلم الله؟ قلت : معناه أنّ كلماته لا تفي بكتبتها البحار فكيف بكلمه. (وَالْبَحْرُ). بالنصب عطف على اسم أنّ. وبالرفع عطف على محلّ أنّ ومعمولها على : ولو ثبت كون الأشجار أقلاما وثبت البحر ممدودا بسبعة أبحر. فإن قلت : كان مقتضى الكلام أن يقال : ولو أنّ الشجر أقلام والبحر مداد. قلت : أغنى عن ذكر المداد قوله : (يَمُدُّهُ). لأنّه من قولك : مدّ الدواة وأمدّها. جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة وجعل الأبحر السبعة مملوّة مدادا فهي تصبّ فيه مدادها أبدا صبّا لا ينقطع. والمعنى : [ولو] أنّ أشجار الأرض أقلام والبحر ممدود بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله ، لما نفدت كلماته ونفدت الأقلام والمداد. عن ابن عبّاس أنّها نزلت جوابا لليهود لمّا قالوا : قد أوتينا التوراة فيها كلّ الحكمة. وقيل : إنّ المشركين قالوا : إنّ هذا ـ يعنون الوحي ـ كلام سينفد. فأعلم الله أنّ كلامه لا ينفد. (١)
[٢٨] (ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨))
(إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ) ؛ أي : كخلق [نفس] واحدة وبعثها في قدرته. فإنّه لا يشقّ عليه ابتداء جميع الخلق ولا إعادتهم بعد إفنائهم. وقيل : إنّ كفّار قريش قالوا : إنّ الله خلقنا أطوارا نطفة علقة مضغة لحما. فكيف يبعثنا خلقا جديدا في ساعة واحدة؟ فنزلت الآية. (٢)
(سَمِيعٌ بَصِيرٌ) : يسمع كلّ صوت ويبصر [كلّ] مبصر في حالة واحدة لا يشغله إدراك بعضها عن إدراك بعض. فكذلك الخلق والبعث. (٣)
[٢٩] (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩))
(يُولِجُ) ؛ أي : ينقص من اللّيل في النهار ومن النهار في اللّيل. أو إنّ كلّ واحد منهما يتعقّب الآخر. (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) يجريان على وتيرة واحدة لا يختلفان. (٤)
__________________
(١) الكشّاف ٣ / ٥٠١.
(٢) مجمع البيان ٨ / ٥٠٤.
(٣) الكشّاف ٣ / ٥٠٢.
(٤) مجمع البيان ٨ / ٥٠٤.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4134_uqud-almarjan-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
