تفضّل من الله ؛ إذ لو كان واجبا ، لكان لا يحتاج فيه إلى مسألتهم بل كان يفعله الله لا محالة. (١)
(يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ). الكرّوبيّون أعلى طبقات الملائكة وأوّلهم وجودا. وحملهم إيّاه وحفيفهم حوله ، مجاز عن حفظهم وتدبيرهم له ، وكناية عن قربهم من ذي العرش ومكانهم عنده وتوسّطهم في نفاذ أمره. (يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا). استغفارهم شفاعتهم وحملهم على التوبة وإلهامهم ما يوجب المغفرة. وفيه تنبيه على أنّ المشاركة في الإيمان توجب النصح والشفقة وإن تخالفت الأجناس ، لأنّها أقوى المناسبات. كما قال : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)(٢). (٣)
فإن قلت : ما فائدة قوله : (وَيُؤْمِنُونَ) ولا يخفى على أحد أنّ حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبّحون بحمده مؤمنون؟ قلت : فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه. كما وصف الأنبياء في غير موضع من كتابه بالصلاح لذلك. وفائدة أخرى وهي التنبيه على أنّ الأمر [لو كان] كما تقول المجسّمة ، لكان حملة العرش ومن حوله مشاهدين معاينين ولما وصفوا بالإيمان لأنّه يوصف بالإيمان الغائب. فلمّا وصفوا به على سبيل الثناء عليهم ، علم أنّ إيمانهم وإيمان من في السموات وكلّ من غاب عن ذلك المكان سواء في أنّ إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال وأنّه منزّه عن صفات الأجرام. وقد روعي التناسب في قوله [(وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا). كأنّه قيل :] ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم وصفتهم. (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا). فإن قلت : فما الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون موعودون المغفرة والله لا يخلف الميعاد؟ قلت : هذا بمنزلة الشفاعة وفائدته زيادة الكرامة والثواب. (٤)
قوله في الكشّاف : (علم أن إيمانهم وإيمان من في السماوات) ـ اه ـ استحسن معنى الكلام الإمام فخر [الدين] الرازيّ في تفسيره الكبير حتّى ترحّم عليه وقال : لو لم يكن في
__________________
(١) مجمع البيان ٨ / ٨٠٢.
(٢) الحجرات (٤٩) / ١٠.
(٣) تفسير البيضاويّ ٢ / ٣٣٥.
(٤) الكشّاف ٤ / ١٥٢ ـ ١٥٣.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4134_uqud-almarjan-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
