أي : أوحينا إليك القرآن ثمّ أورثناه من بعدك ؛ أي : حكمنا بتوريثه. أو قال : (أَوْرَثْنَا) وهو يريد نورثه ، لما عليه أخبار الله. (الَّذِينَ اصْطَفَيْنا). وهم أمّته من الصحابة والتابعين إلى يوم القيامة. لأنّ الله اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمّة وسطا ليكونوا شهداء على الناس واختصّهم بحمل الكتاب الذي هو أفضل كتب الله. ثمّ قسمهم إلى ظالم لنفسه مجرم وهو المرجأ لأمر الله ومقتصد وهو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيّئا وسابق من السابقين. (١)
(أَوْرَثْنَا الْكِتابَ). يعني القرآن ، أو التوراة ، أو جنس الكتاب. والصحيح الأوّل. لأنّ ظاهر لفظ الكتاب لا يطلق إلّا على القرآن. ومعنى الإرث انتهاء الحكم ومصيره لهم. كما قال : (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها). (٢) وقيل : معناه : أورثناهم الإيمان بالكتب السالفة ؛ إذ الميراث انتقال الشيء من قوم إلى قوم. والأوّل أصحّ. والذين اصطفى الله ، قيل : هم الأنبياء اختارهم الله برسالته وكتبه. وقيل : هم المصطفون الداخلون في قوله : (إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً) إلى قوله : (وَآلَ عِمْرانَ)(٣) يريد بني إسرائيل. لأنّ الأنبياء لا يرثون الكتب بل يورث علمهم. وقيل : هم أمّة محمّد أورثهم الله كلّ كتاب. والمرويّ عن الباقر والصادق عليهماالسلام أنّهما قالا : [هي] لنا خاصّة. وإيّانا عنى. وهذا أقرب الأقوال. لأنّهم أحقّ الناس بوصف الاصطفاء وإيراث علم الأنبياء ، إذ هم المتعبّدون بحفظ القرآن وبيان حقائقه. (فَمِنْهُمْ). الضمير في منهم يعود إلى العباد. لأنّه لمّا خصّ اصطفاء الكتاب ببعض العباد ، بيّن أنّ العباد على أقوام ثلاثة. وقيل : الضمير يعود إلى المصطفين من العباد. عن أكثر المفسّرين. وأمّا أحوال الفرق الثلاث ، فقيل : جميعهم ناج ؛ لقوله صلىاللهعليهوآله : أمّا السابق ، فيدخل الجنّة بغير حساب. وأمّا المقتصد ، فيحاسب حسابا يسيرا. وأمّا الظالم لنفسه ، فيحبس في المقام ثمّ يدخل الجنّة. فهم الذين قالوا : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ). وعن عائشة :
__________________
(١) الكشّاف ٣ / ٦١٢.
(٢) الزخرف (٤٣) / ٧٢.
(٣) آل عمران (٣) / ٣٣.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٤ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4134_uqud-almarjan-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
