السماء رتقا لا تمطر والأرض رتقا لا تنبت ففتقنا السماء بالمطر والأرض بالنبات. وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهماالسلام. فيكون المراد بالسموات سماء الدنيا وجمعها باعتبار الآفاق أو السموات بأسرها على أنّ لها مدخلا في الإمطار. والكفرة وإن لم يعلموا ذلك ، فهم متمكّنون من العلم به نظرا ، فإنّ الفتق عارض مفتقر إلى مؤثّر واجب ابتداء أو بوسط ، أو استفسارا من العلماء ومطالعة الكتب. وإنّما قال : (كانَتا) ولم يقل : كنّ ، لأنّ المراد جماعة السموات وجماعة الأرض. (١)
(كانَتا رَتْقاً) ؛ أي : مظلمة ، ففتقهما الله بإظهار النور فيهما. كقوله : (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ). (٢) وقيل : الرتق حالة العدم ؛ إذ ليس فيهما ذوات متميّزة فكأنّهما أمر واحد متّصل متشابه. والفتق الإيجاد ، لحصول التمييز وانفصال بعض الحقائق عن البعض. فيكون كقوله : (فاطِرِ السَّماواتِ)(٣). (٤)
(وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ). جعل لا يخلو أن يتعدّى إلى واحد أو اثنين. فإن تعدّى إلى واحد ، فالمعنى : خلقنا من الماء كلّ حيوان. كقوله : (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ). (٥) أو : كأنّما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبّه له وقلّة صبره عنه. كقوله : (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ). (٦) وإن تعدّى إلى اثنين ، فالمعنى : صيّرنا كلّ شيء حيّ بسبب من الماء لا بدّ له منه. وقيل : معناه : وخلقنا من النطفة كلّ مخلوق حيّ. (أَفَلا يُؤْمِنُونَ) مع ظهور الآيات؟ (٧)
[٣١] (وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١))
(رَواسِيَ) ؛ أي : جبالا ثوابت تمنع الأرض من الحركة والاضطراب. (أَنْ تَمِيدَ) : كراهة
__________________
(١) مجمع البيان ٧ / ٧٢ ، وتفسير البيضاويّ ٢ / ٦٩.
(٢) يس (٣٦) / ٣٧.
(٣) الأنعام (٦) / ١٤.
(٤) تفسير النيسابوريّ ١٧ / ١٨.
(٥) النور (٢٤) / ٤٥.
(٦) الأنبياء (٢١) / ٣٧.
(٧) الكشّاف ٣ / ١١٣ ، ومجمع البيان ٧ / ٧٢ ، وتفسير البيضاويّ ٢ / ٦٩.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4133_uqud-almarjan-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
