هو دليل التمانع الذي بنى عليه المتكلّمون مسألة التوحيد. وتقريره : انّه لو كان مع الله إله آخر ، لكانا قديمين. والقدم من أخصّ الصفات ، فالاشتراك فيه يوجب التماثل. فيجب أن يكونا قادرين عالمين حيّين. ومن حقّ كلّ قادرين أن يصحّ كون أحدهما مريدا لضدّ ما يريده الآخر من إماتة وإحياء ونحو ذلك. فإذا فرضنا ذلك ، فلا يخلو إمّا أن يحصل مرادهما وذلك محال ، وإمّا أن لا يحصل مرادهما فينتقض كونهما قادرين ، وإمّا أن يقع مراد أحدهما ولا يقع مراد الآخر فينتقض كون من لم يقع مراده من غير وجه منع معقول قادرا. فإذا لا يجوز أن يكون الآلهة إلّا واحدا. ولو قيل : إنّهما لا يتمانعان. لأنّ ما يريده أحدهما يكون حكمة فيريده الآخر بعينه. فالجواب : انّ كلامنا في صحّة التمانع لا في وقوعه. وصحّة التمانع يكفي في الدلالة. لأنّه يدلّ على أنّ أحدهما متناهي القدرة البتّة فلا يجوز أن يكون إلها. ثمّ نزّه سبحانه نفسه عن أن يكون معه إله فقال : (فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ). خصّ العرش لأنّه أعظم المخلوقات. (١)
[٢٣] (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣))
(لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) لعظمته وقوّة سلطانه وتفرّده بالإلهيّة ، ولأنّ أفعاله حكمة وصواب. (وَهُمْ يُسْئَلُونَ) لأنّهم مملوكون مستعبدون. والضمير لآلهة أو العباد. (٢)
[٢٤] (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤))
(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ). كرّره استفظاعا لشأنهم واستعظاما لكفرهم. أي : وصفتم الله بأنّ له شريكا فهاتوا برهانكم على ذلك إمّا من جهة العقل وإمّا من جهة الوحي. فإنّكم لا تجدون كتابا من كتب الأوّلين إلّا وتوحيد الله وتنزيهه عن الأنداد مدعوّ إليه. (هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ) ؛ أي : هذا الوحي الوارد في معنى توحيد الله ونفي الشركاء عنه كما ورد عليّ ، فقد
__________________
(١) مجمع البيان ٧ / ٧٠.
(٢) تفسير البيضاويّ ٢ / ٦٨ ، ومجمع البيان ٧ / ٧٠.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4133_uqud-almarjan-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
