الإنكار لما بعدها. والمنكر هو اتّخاذهم (آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) الموتى. ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض لأنّها إمّا أن تنحت من بعض الحجارة أو تعمل من بعض جواهر الأرض. (١)
(هُمْ يُنْشِرُونَ) ؛ أي : يحيون الأموات. والمعنى : انّ هؤلاء إذا كانوا لا يقدرون على الإحياء الذي من قدر عليه قدر أن ينعم بالنعم التي يستحقّ بها العبادة ، فكيف يستحقّون العبادة؟ (٢)
(آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ). فإن قلت : كيف أنكر عليهم اتّخاذ آلهة تنشر وما كانوا يدّعون ذلك لآلهتهم؟ وذلك أنّهم كانوا كفّارا ـ مع إقرارهم لله عزوجل بأنّه خالق السموات والأرض (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ)(٣) وأنّه القادر على النشأة الأولى ـ منكرين البعث ويقولون : من يحيي العظام وهي رميم؟ فكيف يدّعونه للجماد الذي لا يوصف بالقدرة؟ قلت : الأمر كما ذكرت ، ولكنّهم بادّعائهم لها الإلهيّة يلزمهم أن يدّعوا لها الإنشار لأنّه لا يستحقّ هذا الاسم إلّا القادر على كلّ مقدور والإنشار من جملة المقدورات. وفيه باب من التهكّم بهم والتوبيخ والتجهيل وإشعار بأنّ ما استبعدوه من الله لا يصحّ استبعاده لأنّ الإلهيّة لمّا صحّت ، صحّ منها الاقتدار على الإبداء والإعادة. ونحو قوله : (مِنَ الْأَرْضِ) قولك : فلان من مكّة أو المدينة ، تريد مكّيّ أو مدنيّ ، ومعنى نسبتها إلى الأرض الإيذان بأنّها الأصنام التي تعبد في الأرض. لأنّ الآلهة على ضربين ، سماويّة وأرضيّة. وأمّا النكتة في (هُمْ) من قوله : (هُمْ يُنْشِرُونَ) فهو إفادة معنى التخصيص. كأنّه قيل : أم اتّخذوا آلهة لا يقدر على الإنشار إلّا هم وحدهم؟ (٤)
[٢٢] (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢))
(لَوْ كانَ) ؛ أي : لو كان في السماء والأرض آلهة سوى الله لفسدتا ولم ينتظم أمرهم. وهذا
__________________
(١) الكشّاف ٣ / ١٠٨ ـ ١٠٩.
(٢) مجمع البيان ٧ / ٧٠.
(٣) لقمان (٣١) / ٢٥.
(٤) الكشّاف ٣ / ١٠٨ ـ ١٠٩.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٣ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4133_uqud-almarjan-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
