(وَقالَ) ؛ أي : يوسف قال للّذي علم من طريق الوحي (أَنَّهُ ناجٍ) ؛ أي : متخلّص. كما في قوله : (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ). (١) هذا قول الأكثرين. وقال قتادة : للّذي ظنّه ناجيا لأنّه لم يحكم بصدقه فيما قصّه من الرؤيا. والأوّل أصحّ. (عِنْدَ رَبِّكَ) ؛ أي : عند سيّدك بأنّي محبوس ظلما. (فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ) ؛ يعني : أنسى الشيطان يوسف ذكر ربّه تعالى في تلك الحال حتّى استغاث بمخلوق فالتمس من الناجي منهما أن يذكره عند سيّده. وكان من حقّه التوكّل على الله في ذلك. (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) ؛ أي : سبع سنين. وروي ذلك عن عليّ بن الحسين عليهماالسلام. وقيل : معناه : فأنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف عند الملك فلم يذكره حتّى لبث في السجن. وتقديره : فأنساه الشيطان ذكر يوسف عند ربّه. وقد روي عن النبيّ صلىاللهعليهوآله أنّه قال : عجبت من أخي يوسف كيف استغاث بالمخلوق دون الخالق! وروي أنّه عليهالسلام قال : لو لا كلمته في السجن ، ما لبث طول ما لبث. يعني قوله : (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ). وروي عن أبي عبد الله عليهالسلام قال : جاء جبرئيل فقال : يا يوسف ، من جعلك أحسن الناس؟ قال : ربّي. قال : فمن صرف عنك كيد النسوة؟ قال : ربّي. قال : فإنّ ربّك يقول : ما دعاك إلى أن تنزل حاجتك بمخلوق دوني؟ البث في السجن بضع سنين. قال : فبكى يوسف عند ذلك حتّى بكى لبكائه الحيطان. فتأذّى ببكائه أهل السجن. فصالحهم على أن يبكي يوما ويسكت يوما. فكان في اليوم الذي يسكت أسوأ حالا. (بِضْعَ سِنِينَ). قيل : البضع ما بين الثلاث إلى الخمس. وقيل : إلى التسع. وأكثر المفسّرين على أنّ البضع في الآية سبع سنين. قال الكلبيّ : وهذه السبع سوى الخمسة التي كان قبل ذلك. (٢)
فإن قلت : كيف يقدر الشيطان على الإنساء؟ قلت : يوسوس إلى العبد بما يشغله عن الشيء من أسباب النسيان حتّى يذهب عنه ويزول عن قلبه. وأمّا الإنساء ابتداء ، فلا يقدر عليه إلّا الله عزوجل. (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها)(٣). (٤)
__________________
(١) الحاقّة (٦٩) / ٢٠.
(٢) مجمع البيان ٥ / ٣٥٩ ـ ٣٦٠.
(٣) البقرة (٢) / ١٠٦.
(٤) الكشّاف ٢ / ٤٧٢.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ٢ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4132_uqud-almarjan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
