الاصطفاء الأوّل تقبّلها من أمّها ولم يقبل قبلها أنثى ، وتفريغها للعبادة وإغناؤها برزق الجنّة عن الكسب ، وتطهيرها عمّا يستقذر من النساء. والاصطفاء الثاني هدايتها ، وإرسال الملائكة إليها ، وتخصيصها بالكرامات كالولد من غير أب ، وتبرئتها ممّا قذفته اليهود بإنطاق الطفل ، وجعلها وابنها آية للعالمين. (١)
[٤٣] (يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)
(مَعَ الرَّاكِعِينَ). ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع ، فأمرت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع من لا يركع. (٢)
(يا مَرْيَمُ اقْنُتِي). أمرت بالصلاة في الجماعة بذكر أركانها مبالغة في المحافظة عليها. وقدّم السجود على الركوع إمّا لكونه كذلك في شريعتهم ، أو للتنبيه على أنّ الواو لا توجب الترتيب. وقيل : المراد بالقنوت إدامة الطاعة ، كقوله : (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ) ـ الآية ـ (٣) وبالسجود الصلاة ، كقوله : (وَأَدْبارَ السُّجُودِ)(٤) وبالركوع الخشوع. (٥)
[٤٤] (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)
(ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ) ؛ أي : ما ذكرناه من القصص من الغيوب التي لم تعرفها إلّا بالوحي. (أَقْلامَهُمْ) : أقداحهم للاقتراع. وقيل : اقترعوا بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة تبرّكا. والمراد تقرير كونه وحيا على سبيل التهكّم بمنكريه. فإنّ طريق معرفة الوقائع المشاهدة والسماع وعدم السماع معلوم لا شبهة فيه عندهم ، فبقي أن يكون الاتّهام باحتمال العيان ولا يظنّ به عاقل. (أَيُّهُمْ). متعلّق بمحذوف. أي : يلقونها ليعلموا. أو : يقولوا
__________________
(١) تفسير البيضاويّ ١ / ١٥٩.
(٢) الكشّاف ١ / ٣٦٢.
(٣) الزمر (٣٩) / ٩.
(٤) ق (٥٠) / ٤٠.
(٥) تفسير البيضاويّ ١ / ١٥٩.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ١ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4130_uqud-almarjan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
