واعلم أنّه يظهر من هذه التأكيدات في أمر الكتابة أنّها حجّة شرعيّة يصحّ التمسّك بها. والمشهور بينهم خلاف ذلك. فلا يصحّ الركون إليها ، بل اللّازم الوقوف مع ظاهرها كما ذهب إليه البعض. ولقد بالغ المانعون في ردّها حتّى قالوا : لو علم أنّه خطّه لم يجز الشهادة به إلّا أن يعلم الواقعة فيشهد لكونه عالما لا لكونه خطّه بيده. ويمكن توجيه المشهور بأنّ الشهادة يعتبر فيها كونها عن علم كما ثبت بالأدلّة وظاهر أنّ الكتابة لا توجبه ولو أوجبته وجب العمل بها لمكان العلم. وحينئذ يمكن أن تكون الفائدة فيها كونها موجبة لتذكّر الشاهد وصاحب الحقّ. وكفى بهذا فائدة. (١)
عن الصادق عليهالسلام : أربعة لا يستجاب لهم. فالرابع رجل كان له مال فأدانه بغير بيّنة. يقول الله : ألم آمرك بالشهادة؟ (٢) ومن ذهب حقّه على غير بيّنة لم يؤجر. (٣)
(تُدِيرُونَها) : تتعاطون يدا بيد من غير نسيئة. (تَبايَعْتُمْ). لعلّ المراد بالمبايعة فيها التجارة الحاضرة المذكورة سابقا. ويكون المراد أنّ الإشهاد كاف في التجارة الحاضرة دون الكتابة. ويحتمل أن يكون المراد مطلق التبايع. فإنّ الإشهاد فيه أحوط وأضبط. والأمر للاستحباب أو للإرشاد إلى المصلحة. (وَلا يُضَارَّ). إن كان مبنيّا للفاعل ، كان المراد نهيهما عن إضرار المتداينين بترك الإجابة والتحريف والتغيير في الكتابة أو الشهادة. وإن كان مبنيّا للمفعول ، فالمراد النهي عن الإضرار بهما مثل استعجالهما عن مهمّهما الضروريّ اللّازم لهما من جهة تحصيل المعاش وتكليف السفر إلى بلد القاضي والمدّعى عليه وتكليف الكاتب قلما أو قرطاسا أو نحو ذلك. (فَإِنَّهُ) ؛ أي : الضرر ، أو ما نهيتم عنه مطلقا ، (فُسُوقٌ) ؛ أي : خروج عن طاعة الله. (وَاتَّقُوا اللهَ) في مخالفة ما أمركم وما نهاكم. (وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ) ما تحتاجون إليه في أمور دينكم ودنياكم. وإنّما كرّر لفظ (اللهُ) في الجمل الثلاث لاستقلالها وعدم توقّف إحداهما على الأخرى. فإنّ الأولى حثّ على التّقوى ، والثانية وعد بإنعامه ، و
__________________
(١) مسالك الأفهام ٣ / ٦٥.
(٢) الكافي ٥ / ٢٩٨ ، ح ٢.
(٣) الكافي ٥ / ٢٩٨ ، ح ٣.
![عقود المرجان في تفسير القرآن [ ج ١ ] عقود المرجان في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4130_uqud-almarjan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
