(المبحث الثالث في أزمان الارتفاعات):
اعلم أن نظرية الارتفاعات لا تقتصر على الإرشاد إلى الكيفية التي تكونت بها الجبال فقط ، بل تعرفنا مع ذلك زمن ظهور كل منها بكيفية سهلة ، وذلك أن المار في جهة ذات جبال يشاهد طبقات مائلة أو عمودية فيتصور أن هذه الطبقات لم تكن متكونة بهذا الوضع ، بل حصل فيها تغير عظيم ، وينبغي أن ينسب ذلك إلى ارتفاع جبال هذه الجهة فإذا تأمل في المحال المذكورة شاهد طبقات أخرى أفقية تدل على رسوب تكون من المياه في قاع بركة أو بحر متسع ، وهذه الطبقات تكون على الوضع الذي به رسبت من المياه ، وبيان ذلك أنه إذا تكونت طبقات أفقية قبل ارتفاع الجبل فلا بد أن تصير هذه الطبقات مائلة أو عمودية أيا كانت طبيعتها متى حصل الارتفاع ، لكن متى حصل أي تم حصوله ، وحصل اجتماع مياه في الجهة المذكورة ، وتكونت فيها طبقات جديدة فلا بد أن ترسب أفقية وتبقى على هذا الوضع الطبيعي ما لم تطرأ عليها أسباب تغير وضعها ، وبما قلناه يسهل فهم اجتماع طبقات مائلة وطبقات أفقية في مكان واحد ، ومن له دراية في علم التكوين والزمن الذي تنسب إليه كل من الطبقات المائلة والطبقات الأفقية التي شاهدها عرف بسهولة ابتداء مدة تكون الجبل أي زمن ارتفاعه الذي حصل بعد تكون الطبقات المائلة وقبل تكون الطبقات الأفقية ، وحينئذ فلأجل معرفة ابتداء تكون الجبال يكفي مشاهدة الأراضي التي لم تزل أفقية والأراضي المائلة أو العمودية ، وتعيين زمن تكون كل منها بقواعد علمية ، وبما قلنا : يعلم أن الصفة الأصلية للجبال التي حصلت بواسطة الارتفاع هي أن يوجد في الصخور التي تتكون منها تحول عن وضعها الطبيعي. وأما الجبال التي طبقاتها أفقية منتظمة فلا يشك أن لها منشأ آخر ، ودراسة الجبال دالة على حصول الارتفاعات في جميع الأزمان ، ومن حيث إن هذه الارتفاعات حصلت في أيامنا هذه فلا مانع من حصولها في المستقبل.
(المبحث الرابع في أن من جملة أسباب الارتفاعات الزلزلة):
قال في كتاب «جامع الفنون وسلوة المحزون» : زعموا أن الأبخرة والأدخنة إذا اجتمعت تحت الأرض لا يقاومها برودة ، وتكون مادتها كثيرة لا تقبل التحلل بأدنى حرارة ، ولكون وجه الأرض صلبا لا منفذ فيه ولا مسام إذا قصدت البخارات الارتفاع لم تجد منافذ ولا مسام فتهتز منها بقاع الأرض وتضطرب كما يضطرب المحموم عند شدة الحمى ، فلا تزال تهتز إلى أن تخرج تلك المواد منها فتسكن انته المراد منه ، وقال متأخر وعلماء الهيئة : إن زلزلة الأرض والبراكين ناشئان عن سبب واحد وذلك أن باطن الأرض مشغول بكتلة سائلة
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
