يمكنه ذلك فإن كان الأول فقد صار محلا للحركة والسكون فيكون محدثا لا محالة ، وإن كان الثاني كان كالمربوط ، بل كان كالزمن بل أسوأ حالا منه ، فإن الزمن إذا شاء الحركة في رأسه وحدقته أمكنه ذلك ، وهو غير ممكن على معبودهم.
(ورابعها) : هو أن معبودهم إما أن يحصل في كل مكان أو في مكان دون مكان فإن حصل في كل مكان لزمهم أن يحصل في مكان النجاسات والقاذورات ، وذلك لا يقوله عاقل ، وإن حصل في مكان دون مكان افتقر إلى مخصص يخصصه بذلك المكان فيكون محتاجا وهو على الله تعالى محال.
(وخامسها) : أن قوله : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشّورى : الآية ١١]. يتناول نفي المساواة من جميع الوجوه بدليل صحة الاستثناء فإنه يحسن أن يقال : ليس كمثله شيء إلا في الجلوس وإلا في المقدار وإلا في اللون ، وصحة الاستثناء تقتضي دخول جميع هذه الأمور تحته ، فلو كان جالسا لحصل من تماثله في الجلوس فحينئذ يبطل معنى الآية.
(وسادسها) : قوله تعالى : (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ) [الحاقّة : الآية ١٧]. فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان معبودهم لزم أن تكون الملائكة حاملين لخالقهم ومعبودهم ، وذلك غير معقول ؛ لأن الخالق هو الذي يحفظ المخلوق أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله.
(وسابعها) : أنه لو جاز أن يكون المستقر في المكان إلها فكيف يعلم أن الشمس والقمر ليسا بإله إلا أن طريقنا إلى نفي ألوهية الشمس والقمر أنهما موصوفان بالحركة والسكون لا سيما حركة الكواكب السيارة المتحركة من حركة الشمس وما كان كذلك كان محدثا ، ولم يكن إلها فإذا أبطلتم هذا الطريق انسد عليكم باب القدح في ألوهية الشمس والقمر.
(وثامنها) : أن كرة العالم في الجهة التي هي فوق بالنسبة إلينا هي تحت بالنسبة إلى ساكني ذلك الجانب الآخر من الأرض ، وبالعكس فلو كان المعبود مختصا بجهة فتلك الجهة إن كانت فوقا لبعض الناس لكنها تحت لبعض آخرين ، وباتفاق العقلاء لا يجوز أن يقال : المعبود تحت جميع الأشياء.
(وتاسعها) : أجمعت الأمة على أن قوله تعالى : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)) [الإخلاص : الآية ١]. من المحكمات لا من المتشابهات. فلو كان مختصا بالمكان لكان الجانب الذي منه يلي ما على يمينه غير الجانب الذي منه يلي ما على يساره فيكون مركبا منقسما فلا يكون واحد في الحقيقة فيبطل قوله : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)) [الإخلاص : الآية ١].
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
