أن إثبات هذا المعنى من كونه محتاجا إلى العرش ، وأنه لو لا العرش لسقط ونزل محال ؛ لأن المسلمين أطبقوا على أن الله تعالى هو الممسك للعرش والحافظ له ، ولا يقول أحد : إن العرش هو الممسك لله تعالى والحافظ له.
(والثاني) : أن قوله : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف : الآية ٥٤]. يدل على أنه قبل ذلك ما كان مستويا عليه ، وذلك يدل على أنه يتغير من حال إلى حال ، وكل من كان متغيرا كان محدثا ، وذلك بالاتفاق باطل.
(الثالث) : أنه لما حدث الاستواء في هذا الوقت فهذا يقتضي أنه تعالى كان قبل هذا الوقت مضطربا متحركا ، وكل ذلك من صفات المحدثات.
(الرابع) : أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد أن خلق السماوات والأرض ؛ لأن كلمة ثم تقتضي التراخي ، وذلك يدل على أنه تعالى كان قبل خلق العرش غنيا عن العرش ، فإذا خلق العرش امتنع أن تنقلب حقيقته وذاته من الاستغناء إلى الحاجة ، فوجب أن يبقى بعد خلق العرش ، غنيا عن العرش ومن كان كذلك امتنع أن يكون مستقرا على العرش ، فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها بالاتفاق ، وإذا كان كذلك امتنع الاستدلال بها في إثبات المكان والجهة لله تعالى.
(المسألة الثالثة):
اتفق قوم على أن فوق السماوات جسما عظيما وهو العرش. إذا ثبت هذا فنقول : العرش المذكور في هذه الآية هل المراد منه ذلك العرش أو غيره؟ فيه قولان بل ثلاثة :
القول الأول : وهو الذي اختاره أبو مسلم الأصفهاني : أنه ليس المراد منه ذلك ، بل المراد من قوله : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف : الآية ٥٤]. أنه لما خلق السماوات والأرض سطحها ورفع سمكها فإن كل بناء يسمى عرشا ، وبانيه يسمى عارشا. قال تعالى : (وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) [النّحل : الآية ٦٨]. أي يبنون وقال في صفة القرية : (فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها) [الحجّ : الآية ٤٥]. والمراد أن تلك القرية خلت منهم مع سلامة بنائها وقيام سقفها. وقال : (وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ) [هود : الآية ٧]. أي بناؤه ، وإنما ذكر الله تعالى ذلك ؛ لأنه أعجب في القدرة ، فالباني يبني البناء متباعدا عن الماء على الأرض الصلبة ؛ لئلا ينهدم ، والله تعالى بنى السماوات والأرض على الماء ليعرف العقلاء قدرته وكمال جلالته. والاستواء على العرش هو الاستعلاء عليه بالقهر ، والدليل عليه قوله تعالى : (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ.) قال أبو مسلم : فثبت أن اللفظ يحتمل هذا الذي ذكرناه ، فنقول : وجب حمل اللفظ عليه،
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
