ولا يجوز حمله على العرش الذي في السماء ، والدليل عليه هو أن الاستدلال على وجود الصانع تعالى يجب أن يحصل بشيء معلوم مشاهد ، والعرش الذي في السماء ليس كذلك ، وأما أجرام السماوات والأرضين فهي مشاهدة محسوسة ، فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصانع الحكيم جائزا صوابا حسنا ، ثم قال : ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام إشارة إلى تخليق ذواتها في ستة أزمان ، وقوله : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف : الآية ٥٤]. يكون إشارة إلى وضعها في أحيازها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لمصالحها ، وعلى هذا الوجه تصير هذه الآية موافقة لقوله سبحانه وتعالى : (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨)). فذكر أولا أنه بناها ، ثم ذكر ثانيا أنه رفع سمكها فسواها ، وكذلك هاهنا ذكر بقوله : (خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [البقرة : الآية ١٦٤]. أنه خلق ذواتها ، ثم ذكر بقوله : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف : الآية ٥٤]. أنه قصد إلى تعريشها ووصفها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لها.
(والقول الثاني) : وهو القول المشهور لجمهور المفسرين : إن المراد من العرش المذكور في هذه الآية الجسم العظيم الذي في السماء ، وهؤلاء قالوا : إن قوله : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف : الآية ٥٤]. لا يمكن أن يكون معناه أنه تعالى خلقه بعد خلق السماوات والارض بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى : (وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ) [هود : الآية ٧]. وذلك يدل على أن تكون العرش سابق على تخليق السماوات والأرض بل يجب تفسير هذه الآية بوجوه أخر ، وهو أن يكون المراد ثم يدبر الأمر وهو مستو على العرش.
(والقول الثالث) : أن المراد من العرش الملك ، والماء ما تكونت منه الذوات ، يقال فلان يلي عرشه أي ملكه فقوله : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف : الآية ٥٤]. المراد أنه تعالى لما خلق السماوات والأرض واستدارت الأفلاك والكواكب وجعل بسبب دورانها الفصول الأربعة والأحوال المختلفة من المعادن والنبات والحيوان ، ففي هذا الوقت قد حصل وجود هذه المخلوقات والكائنات ، والحاصل أن العرش عبارة عن الملك ، وملك الله تعالى عبارة عن وجود مخلوقاته ووجود مخلوقاته ؛ إنما حصل بعد تخليق السماوات والأرض لا جرم صح إدخال حرف ، ثم الذي يفيد تراخي الاستواء على العرش وتخليق عباده ، والله تعالى أعلم بمراده.
(المسألة الرابعة):
أما قوله : (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) [يونس : الآية ٣]. فمعناه أنه يقضي ويقدر على حسب
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
