نصب لهم موضعا يقصدونه لمسألة ربهم وطلب حوائجهم كما يقصدون بيوت الملوك والرؤساء لهذا المطلوب ، ثم علموا بعقولهم نفي التشبيه ، وأنه لم يجعل ذلك البيت مسكنا لنفسه ، ولم ينتفع به في دفع الحر والبرد عن نفسه ، وإذا أمرهم بتحميده وتمجده فهموا منه أنه أمرهم بنهاية تعظيمه ، ثم علموا بعقولهم أنه لا يفرح بذلك التحميد والتعظيم ولا يغتم بتركه والإعراض عنه ، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : إنه تعالى أخبر أنه خلق السماوات والأرض كما أراد وشاء من غير منازع ولا مدافع ، ثم أخبر بعده أنه استوى على العرش أي حصل له تدبير المخلوقات على ما شاء وأراد ، فكان قوله : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف : الآية ٥٤]. أي بعد أن خلقها استوى على عرش الملك والجلال ، ثم قال القفال : والدليل على أن هذا هو المراد قوله في سورة يونس : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) [يونس : الآية ٣]. كما يأتي ذكرها بعد فقوله : (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) [يونس : الآية ٣]. جرى مجرى التفسير لقوله : (اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف : الآية ٥٤] وقال في هذه الآية التي نحن في تفسيرها (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) [الأعراف : الآية ٥٤]. وهذا يدل على أن قوله : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف : الآية ٥٤]. إشارة إلى ما ذكرناه (فإن قيل) : فإذا حملتم قوله : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف : الآية ٥٤]. على أن المراد استوى على الملك وجب أن يقال الله تعالى لم يكن مستوليا قبل خلق السماوات والارض قلنا : إنه تعالى إنما كان قبل خلق العوالم قادرا على تخليقها وتكوينها وما كان مكونا ولا موجدا لها بأعيانها بالفعل ؛ لأن إحياء زيد وإماتة عمرو وإطعام هذا وإرواء هذا لا يحصل إلا عند هذه الأحوال ، فإذا فسرنا العرش بالملك والملك بهذه الأحوال صح أن يقال : إنه تعالى إنما استوى على ملكه بعد خلق السماوات والأرض بمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء وتدبيره لها بعد خلق السماوات والأرض ، وهذا جواب حق صحيح في هذا الموضع.
القول الثاني : في الجواب أن يقال : استوى بمعنى استولى.
القول الثالث : أن نفسر العرش بالملك ونفسر استوى بمعنى على واستعلى على الملك. فيكون المعنى أنه تعالى استعلى على الملك بمعنى أن قدرته نفذت في ترتيب الملك والملكوت.
وأما قوله تعالى : (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) [الأعراف : الآية ٥٤].
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
