قوله : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) [الأعراف : الآية ٥٤]. فلو كان فوق العرش سماء لكان أهل العرش لكان خالقا لنفسه وذلك محال ، وإذا ثبت هذا فنقول قوله : (الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) [الأنعام : الآية ١]. هي آية محكمة دالة على أن قوله : (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف : الآية ٥٤]. من المتشابهات التي يجب تأويلها وهذه نكته لطيفة ونظير هذا أنه تعالى قال في أول سورة الأنعام : (وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ) [الأنعام : الآية ٣] ثم قال بعده بقليل : (قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ) [الأنعام : الآية ١٢]. فدلت هذه الآية المتأخرة على أن كل ما في السماوات فهو ملك لله ، فلو كان الله في السماوات لزم كونه ملكا لنفسه ، وذلك محال فكذا هاهنا ، فثبت بمجموع هذه الدلائل العقلية والنقلية أنه لا يمكن حمل قوله : (ثُمَّ اسْتَوى) [البقرة : الآية ٢٩]. على العرش على الجلوس والاستقرار وشغل المكان والحيز وعند هذا حصل للعلماء الراسخين مذهبان :
(الأول) : أن نقطع بكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة ولا نخوض في تأويل الآية على التفصيل بل نفوض علمها إلى الله تعالى.
(والثاني) : أن نخوض في تأويلها وفيه قولان ملخصان بل ثلاثة :
(الأول) : ما ذكره القفال فقال : العرش في كلامهم هو السرير والذي يجلس عليه الملوك ، ثم جعل العرش كناية عن نفس الملك : يقال ثل عرشه أي انتقض ملكه وفسد ، وإذا استقام له ملكه واطرد أمره وحكمه قالوا استوى على عرشه واستقر على سرير ملكه هذا ما قاله القفال ، وأقول : إن الذي قاله حق وصدق وصواب ونظيره قولهم للرجل الطويل فلان طويل النجاد ، وللرجل الذي يكثر الضيافة فلان كثير الرماد ، وللرجل الشيخ فلان اشتعل رأسه شيبا وليس المراد في شيء من هذه الألفاظ إجراءها على ظواهرها إنما المراد منها تعريف المقصود على سبيل الكناية فكذا هاهنا بذكر الاستواء على العرش والمراد نفاذ القدرة وجريان المشيئة ، ثم قال القفال : رحمهالله تعالى والله تعالى لما دل على ذاته وعلى صفاته وكيفية تدبير العالم على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم ورؤسائهم استقر في قلوبهم عظمة الله تعالى وجلاله وكماله إلا أن كل ذلك مشروط بنفي التشبيه فإذا قال : إنه عالم مثلا فهموا منه أنه لا يخفى عليه تعالى شيء ، ثم علموا بعقولهم أنه لم يحصل ذلك العلم بفكرة ولا روية ولا باستعمال حاسة ، وإذا قال قادر علموا منه أنه متمكن من إيجاد الكائنات وتكوين الممكنات ، ثم علموا بعقولهم أنه غني في ذلك الإيجاد والتكوين عن الآلات والأدوات وسبق المادة والمدة والفكرة والروية وهكذا القول في كل صفاته ، وإذا أخبر أن له بيتا يجب على عباده حجه فهموا منه أنه
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
