المكان قسم ثالث ، إذا عرفت هذا فنقول : إن كان المكان هو الأول فنقول ثبت أن أجسام العالم متناهية فخارج الجسماني لا خلا ولا ملا ولا مكان ولا جهة فيمتنع أن يحصل في مكان خارج العالم ، وإن كان المكان هو الثاني ، فنقول : طبيعة البعد طبيعة واحدة متشابهة في تمام الماهية فلو حصل الإله في حيز لكان ممكن الحصول في سائر الأحياز ، وحينئذ يصح عليه الحركة والسكون ، وكل ما كان كذلك كان محدثا بالدلائل المشهورة المذكورة في علم الأصول ، وهي مقبولة عند جمهور المتكلمين فيلزم كون الإله محدثا ، وهو محال فثبت أن القول ، بأنه تعالى حاصل في الحيز والجهة قول باطل على كل الاعتبارات.
(الحجة الثالثة):
وهي حجة استقرائية اعتبارية لطيفة جدا ، وهي أنا رأينا أن الشيء كلما كان حصول معنى الجسمية فيه أقوى وأثبت كانت القوة الفاعلية فيه أمكن ، وكلما كان حصول معنى الجسمية أقل وأضعف كان حصول القوة الفاعلية فيه أظهر وأكمل ، وتقريره أن نقول وجدنا الأرض أكثف الأجسام وأقواها حجمية فلا جرم لم يحصل فيها إلا خاصية قبول الأثر من الأجرام المؤثرة فيها فتتحرك القوة الكامنة بها فأما أن يكون للأرض تأثير في عيره فقليل ، وأما الماء فهو أقل كثافة وحجمية من الأرض فلا جرم حصلت فيه قوة مؤثرة فإن الماء الجاري طبعه إذا اختلط بالارض أثر فيها أنواعا من التأثيرات ، وأما الهواء فإنه أقل حجمية وكثافة من الماء فلا جرم كان أقوى على التأثير من الماء فلذلك قال بعضهم إن الحياة لا تكمل إلا بالنفس وزعموا : أنه لا معنى للروح إلا الهواء المستنشق ، وأما الحرارة والضوء فإنهما أقل كثافة من الهواء وأنهما لا يمسكان فلا جرم كانت أقوى الأجسام العنصرية على التأثير فبقوة الحرارة والضوء تكون المواليد الثلاثة أعني المعادن والنبات والحيوان ، وأما الأفلاك فلا جرم كان أعظمها ضوءا وهي الشمس هي المستولية على مزاج الأجرام الأرضية وتوليد الأنواع والأصناف المختلفة من تلك التمريجات فهذا الاستقراء المطرد يدل على أن الشيء كلما كان أكثر حجمية وجرمية وجسمية كان أكثر قوة وتأثيرا ، وكلما كان أقوى قوة وتأثيرا كان أقل حجمية ، وجرمية وجسمية وهذا يكون في العناصر وكلما كان أكثر قوة وتأثيرا كان لا جرمية ولا حجمية وهذه الحياة السارية في الكائنات ، وإذا كان الأمر كذلك أفاد هذا الاستقراء ظنا قويا أنه حيث حصل كمال القوة والقدرة على الإحداث والإبداع لم يحصل هناك البتة استواء الحجمية والجرمية والاختصاص بالحيز والجهة وهذا وإن كان بحثا استقرائيا إلا أنه عند التأمل التام شديد المناسبة للقطع بكونه تعالى منزها عن الجسمية والموضع والحيز وبالله التوفيق ، فهذه جملة الوجوه العقلية في بيان كونه تعالى منزها عن الاختصاص بالحيز والجهة.
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
