(المسألة الأولى):
سمى السماء سقفا ؛ لأنها شبيهة بسطح باطن كرة عظيمة تشغل الأرض مركزها ، وقوله تعالى : (مَحْفُوظاً) [الأنبياء : الآية ٣٢]. أي محفوظا من الوقوع والسقوط اللذين ينجر مثلهما ما لأسقف البناء. (واعلم) أن الله تعالى جعل كل جرم من الأجرام مركبا من جواهر فردة لا تقبل الانقسام ، وجعل تعالى فيها قوة الانضمام أي التماسك ، ثم الأجسام إما بسيطة أو مركبة ، فالجسم البسيط ويسمى بالعنصري ، هو الذي يتكون من أجزاء دقيقة ذات طبيعة واحدة ، وتسمى بالأجزاء المكملة ، والجسم المركب : هو المتكون من أجزاء دقيقة متغايرة الطبيعة وتسمى بالأجزاء المكونة ، فكل جزء من الأجزاء المكونة مركب من أجزاء مكملة بعدد الجواهر المركب منها الجسم ، فالمركب من قصدير ونحاس كل جزء من أجزائه مشتمل على جزء من قصدير وجزء من نحاس ، وكل من هذين الجزءين على حدته مكمل ومجموعهما جزء مكون وكذا المادة نوعان : أحدهما : الخواص الخاصة ، وهذه تختلف في الأجسام كاللون والشكل والرائحة ، والثاني الخواص العامة أعني التي تشرك فيها جميع الأجسام وهي الحيز وعدم التداخل والثقل ، وقبول كل من الحركة والتحري والانضغاط والمرونة والتمدد ، ومن اجتماع هذه الأشياء في المادة قوة الجذب والميل ، ثم إن الكرة الأرضية المعتبرة في أبعادها وحركاتها كجرم سماوي مركبة من مواد مختلفة تظهر لنا على أربعة أحوال ، أجرام جامدة وأجرام مائعة وأجرام هوائية وسائل ضوئي ، فالأجرام الجامدة ، يتألف منها الجزء الجامد من الأرض ، والأجرام السائلة : تغطي معظم ذلك الجزء فتشغل المواضع المنخفضة من سطح الأرض وتترك الأجزاء المرتفعة منكشفة بحيث يظهر كأنها خرجت نافذة منها فتتكون منها الجزائر والبرور المرتفعة.
وأما الأجرام الهوائية ، فتحيط بالأجرام الجامدة والمائعة ، ونعني الجو الذي هو مخلوط من أجزاء مختلفة وغير محسوس بالبصر وأجزاؤه التي يتألف منها تحفظ على الدوام حالتها الغازية أي الهوائية في الحرارة الاعتيادية للكرة ، وأما السائل الضوئي الآتي من الجو أي الحرارة والضوء ، فيظهر أنهما كما ينفذان في الفضاء ينفذان أيضا في باطن الكرة فيظهر منهما تنبه عظيم ، وأعظم ما يتعجب منه شدة تأثيرها وقوتهما على جميع هذه السطوح من الجواهر والسوائل ، ومع ذلك فهي كغيرها من الأجسام مطيعة لنواميس الميل والجذب.
(تنبيه):
اعلم أن القدرة الإلهية جعلت لتركيب الأجسام قوى هي الجذب والاتحاد والتماسك.
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
