وأما قوله : (وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها) (٣) [الشّمس : الآية ٣]. فمعنى التجلية الإظهار والكشف ، والضمير في جلاها إلى ما ذا يعود؟ فيه وجهان :
(أحدهما) : وهو قول الزجاج ، أنه عائد إلى الشمس ، وذلك لأن النهار عبارة عن نور الشمس ، فكلما كان النهار أجلى ظهورا كانت الشمس أجلى ظهورا ؛ لأن قوة الأثر وكماله تدل على قوة المؤثر ، فكأن النهار يبرز ضوء الشمس ويظهره كقوله تعالى : (لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ) [الأعراف : الآية ١٨٧]. أي لا يخرجها.
(الثاني) : وهو قول الجمهور : أنه عائد إلى الظلمة أو إلى الأرض بحيث تحجب الضوء على نفسها ، وإن لم يجر لها ذكر يقولون أصبحت باردة يريدون الغداة ، وأرسلت يريدون السماء ، وأما قوله تعالى : (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها) (٤) [الشّمس : الآية ٤]. يعني يغشى الليل الشمس فيزيل ضوأها ، وهذه الآية تقوي القول الأول في الآية التي قبلها من وجهين :
(الأول) : أنه لما جعل الليل يغشى الشمس ويزيل ضوأها حسن أن يقال النهار يجليها على ضد ما ذكر في الليل.
(والثاني) : أن الضمير في يغشاه للشمس بلا خلاف ؛ ولذلك (٦) أن جزأ من الأرض غشاه الضوء على الجزء الآخر ، فكذا لجلاها يجب أن يكون للشمس حتى يكون الضمير في الفواصل من أول السورة إلى هاهنا للشمس قال القفال : وهذه الأقسام الأربعة ليست إلا بالشمس في الحقيقة بحسب أوصاف أربعة :
(أولها) : الضوء الحاصل منها عند ارتفاع النهار ، وذلك هو الوقت الذي يكمل فيه انتشار الحيوان واضطراب الناس للمعاش (ومنها) : تلو القمر لها ، وأخذه الضوء عنها (ومنها) : تكامل طلوعها وبدؤها بمجيء النهار (ومنها) : تأثيرها على الكواكب وفعلها هذه الحركات بمجيء الليل والنهار ، ومن تأمل قليلا في عظمة الشمس ، ثم شاهد بعين عقله فيها أثر المصنوعية والمخلوقية من المقدار المتناهي ، والتركب من الأجزاء والأسرار المخلوقة بها أثر المصنوعية والمخلوقية من المقدار المتناهي ، والتركب من الأجزاء والأسرار المخلوقة بها من الجذب والدفع وغيرهما انتقل منه إلى عظمة خالقها فسبحانه ما أعظم شأنه. وأما قوله تعالى : (وَالسَّماءِ وَما بَناها) (٥) [الشّمس : الآية ٥]. ففيه سؤالات :
(السؤال الأول):
إن الذي ذكره صاحب الكشاف من أن ما هاهنا لو كانت مصدرية لكان عطف «فألهمها»
__________________
(٦) قوله : ولذلك ... إلخ. المعنى ظاهر وفي التركيب ما لا يخفى. اه.
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
