ونعمة الإبقاء ، فإن الله تعالى خلقنا أولا برحمته ، وخلق لنا ما نقوم به ، وهذه النعمة توجد مرة أخرى بالإعادة ، فإنه يخلقنا مرة أخرى ويخلق لنا ما يدوم ، فلنا حالتان الابتداء والإعادة ، وفي كل حالة له علينا تعالى نعمتان نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء ، فالأول : خلقه تعالى الأجرام السماوية والأرضية وما فيهن.
والثاني : ربط المسببات بأسبابها ، فالقوى التي بها تركب الأجسام ثلاثة : الجذب ، والإيجاد ، والتماسك ، في الجواهر الفردة ، ومنها جعل تعالى قوة الجذب والدفع بين الأجرام ، الأول الجذب : فهو قوة بها تنضم الأجزاء الفردة إلى بعضها وتتقارب حتى يتكون عنها جسم بسيط أو مركب ، وقد يكون بين أجسام متعددة لمناسبة طبيعة بينها ، وهي التي بها أيضا تقع الأجسام المنقذفة في الجو ساقطة على الأرض ، ثم إنها تزيد فيما بين الأجسام على حسب كبر الكتل ، وتنقص على حسب بعد المسافة ، فكلما كبرت الكتل زادت ، وكلما بعدت بينهما المسافة نقصت ، وتختلف بالنظر لما تركبت منه الأجسام ولطبيعتها ، بل ولأجزاء الجسم الواحد ؛ إذ كثير من الأجسام ما تنصم أجزاؤه وتتحد بمجرد المماسة ، ومنها ما يحتاج لتوسط درجات من الحرارة أو غيرها وهي بين أجزاء بعض الأجسام أكثر منها بين أجزاء البعض الآخر ، والقوة الدافعة كذلك في كل ما سبق ، وكل من قوتي الجذب والدفع معلوم أنهما خاصيتان موجودتان في جميع الأجسام وبهما السكون والفساد ، وهما موجودان في الإنسان أيضا ، ويسميان بالائتلاف والتنافر ، ويجدهما الإنسان في نفسه إذا نظر إلى أشخاص ، ولو لم يكن يعرفهم ، فإنه يجد في نفسه أنه يألف منهم بعضا ويأنف بعضا.
(وأما التماسك) : فهو قوة الجذب الحاصلة بين الأجزاء المتماثلة ، وهو في الجامدات أقوى منه في المائعات ؛ ولذا لا تنفصل أجزاء الصلب من بعضها إلا بعنف ، وأما الغازات فلا تماسك فيما بين أجزائها.
وأما الاتحاد فهو قوة الجذب الحاصلة بين الأجزاء الغير المتماثلة ، أي الغير المكونة للأجسام البسيطة ، ويكون بين جزءين وثلاثة وأربعة ، وكونه بين خمسة نادر ، وحالات الأجسام من الصلابة والميوعة والسيولة لا تمنع من اتحادها ، فيقع الاتحاد بين الأجسام الجامدة والمائعة وبينهما وبين الهوائية ، فإذا علمت هذا ، فاعلم أنه تعالى جعل التماسك في الجواهر الفردة ، أي التي لا تقبل الانقسام فكلما عظمت الأجسام كانت قابلية الجذب بها أكثر من غيرها ؛ لأنها تجذب الشيء بقدر عظم الشيء الجاذب ، ويضعف جذبها بقدر مربع بعد الشيء المجذوب ، يعني أن الجاذبية قوية مرتين ، في جسم عظيم مرتين ، وضعيفة أربع مرات
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
