(وثانيها) : من حيث أن كل واحد منها اختص بمقدار معين مع جواز ما هو أزيد منه وأنقص.
(وثالثها) : لا حصر لتلك الأجرام بحيث يظهر كأن السماء كلها مغطاة بها إذا شوهدت ومقاديرها الظاهرة غية محررة ، ومقاديرها الحقيقية مجهولة ، وتنقسم بالنظر لتلك المقادير إلى نجوم من القدر الأول والثاني والثالث وهكذا ، وما وراء القدر السادس لا يشاهد جيدا لكثرة البعد عنا. (ورابعها) : أنه اختص كل واحد بحركة خاصة مقدرة بقدر معين من السرعة والبطء إلى جهة معينة. (وخامسها) : كونها في ذواتها محدثة ، وكل ذلك يدل على استنادها إلى قادر تام القدرة ، كما قال تعالى : (وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ) (١٨) [الغاشية : الآية ١٨]. أي رفعا بعيد المدى بلا إمساك وبغير عمد ، والبعد بيننا وبينها مجهول ، وأظن أن أقربها إلينا يكون بعده عنا أقله مائة ألف قدر بعد الشمس عنا ، ولو قدر (٥) أن مجموعنا الشمس في هذا البعد لاستند عنا في سمك خيط من حرير ، والبعد بينها وبين بعضها ، أعني مواضعها بالنسبة لبعضها يظهر أنه لا يتغير أصلا ، كما قال تعالى : (وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً) (١٢) [النّبإ : الآية ١٢]. أي سبع سماوات ، شدادا جمع شديدة يعني محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الزمان.
فإذا علمت هذا ، فاعلم أن الكرة الأرضية محاطة من جميع جهاتها بجسم شفاف هو خليط من جواهر قابلة كما قلنا لأن تبقى هوائية في الحرارة الاعتيادية والضغط الاعتيادي ، وهذه الطبقة الغير المشاهدة تسمى بالجو وتحيط بالأرض كلفافة تكاد أن تكون تامة الشفافية وإن كانت عظيمة السمك جدا ، وجميع ما يوجد على سطح الأرض يقذف في ذلك الجو كما قلنا آنفا جواهو مختلفة تختلط ببعضها أو تتحد أو تتحلل فتنتشر بها ثانيا الكائنات التي صعدتها أولا لكن بهيئة أخرى وشكل جديد وهذا الجو مؤلف من طبقات كثيرة تتناقص كثافتها كلما بعدت عن سطح الأرض ، وهذه الطبقات التي ارتفاعها إلى سمكها ثمانية وأربعون ميلا تقريبا ليست قوية الكثافة حتى تمنع انعكاس الضوء أو انكساره ، وأهل الهيئة جعلوا هذه المسافة حدا للجو ، لكن يقال : هل هذا الحد حقيقي بحيث يوجد وراءه خلو تام؟ هذا غير مظنون ؛ لأنه لا يوجد في الكون خلو مطلق فيما وراء ذلك ومع ذلك ، فليس فراغا مطلقا ، فالجو فيها لا بد وأن يكون متخلخلا خلخلة يعسر معرفتها بالحساب ، ويأخذ هذا التخلخل في الزيادة حتى يصل إلى المحل الذي تنتهي إليه القوة التي وضعها الله تعالى فيه لجذب الأرض ، فالموجود من القوى قوتان : إحدهما القوة الجاذبة إلى المركز ، والثانية القوة الدافعة عن المركز فلما انضمت هذه القوة إلى القوة الأولى جعل في الكواكب قوة تماسك شديدة ، وهذه القوة قوة
__________________
(٥) قوله : ولو قدر ... إلخ. كذا بالأصل وليحرر. اه.
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
