(واعلم) أن للسلف طرقا لطيفة في هذا الباب :
(أحدها) : يروى أن بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق ـ رضي الله تعالى عنه ـ فقال جعفر : هل ركبت البحر؟ قال : نعم. قال : هل رأيت أهواله؟ قال : بلى ، هاجت يوما رياح هائلة فكسرت السفن ، وغرقت الملاحين ، فتعلقت أنا ببعض ألواحها ثم ذهب عني ذلك اللوح فإذا أنا مدفوع في تلاطم الأمواج حتى دفعت إلى الساحل. فقال جعفر : قد كان اعتمادك من قبل على السفينة والملاح ، ثم على اللوح حتى يخيك ، فلما ذهبت هذه الأشياء عنك هل أسلمت نفسك للهلاك أم كنت ترجو السلامة بعد؟ قال : بل رجوت السلامة. قال : ممن كنت ترجوها. فسكت الرجل ، فقال جعفر : إن الصانع هو الذي كنت ترجوه في ذلك الوقت ، وهو الذي أنجاك من الغرق فأسلم الرجل.
(وثانيها) : جاء في كتاب «ديانات العرب» أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال لعمران بن حصين : «كم لك من إله». قال : عشرة. قال : فمن لغمك وكربك ودفع الأمر العظيم إذا نزل بك من جملتهم». قال : الله. قال عليهالسلام : «مالك من إله إلا الله».
(وثالثها) : كان أبو حنيفة ـ رضي الله تعالى عنه ـ سيفا على الدهرية ، وكانوا ينتهزون الفرصة ليقتلوه ، فبينما هو يوما في مسجده قاعدا ؛ إذ هجم عليه جماعة بسيوف مسلولة وهموا بقتله ، فقال لهم : أجيبوني عن مسألة ثم افعلوا ما شئتم. فقالوا له : هات. فقال : ما تقولون في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال مملوءة من الأثقال قد احتوشها في لجة البحر أمواج متلاطمة ورياح مختلفة ، وهي من بينها تجري مستوية ، ليس لها ملاح يجريها ، ولا متعهدا يدفعها ، هل يجوز ذلك في العقل؟ قالوا : لا هذا شيء لا يقبله العقل. فقال أبو حنيفة : يا سبحان الله ، إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهد ولا مجر ، فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها ، وتغير أعمالها ، وسعة أطرافها ، وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ؟ فبكوا جميعا ، وقالوا : صدقت وأغمدوا سيوفهم وتابوا ، فلله الحمد.
(ورابعها) : سألوا الشافعي ـ رضي الله تعالى عنه ـ ما الدليل على وجود الصانع؟ فقال : ورقة التوت طعمها ولونها وريحها وطبعها واحد عندكم. قالوا : نعم. قال : فتأكلها دودة القز ، فيخرج منها الإبريسم ، والنحل فيخرج منها العسل ، والشاة فتربى اللحم ويخرج اللبن ، ويأكلها الظباء فتغذيها ، وينعقد في نوافجها المسك ، فمن الذي جعل هذه الأشياء متنوعة الإفرازات والغذاء واحد فاستحسنوا منه ذلك وتابوا.
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
