مشتملة على هذين البابين ، والله تعالى جمع هاهنا بين هذين الوجهين ؛ أما دلائل الأنفس فهي أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه ما كان قبل ذلك ، وأنه صار الآن موجودا ، وأن كل ما وجد بعد العدم فلا بد له من موجد ، وذلك الموجد ليس هو نفسه ولا الأبوين ولا سائر الناس ؛ لأن عجز الخلق عن مثل هذا التركيب معلوم بالضرورة ، فلا بد من موجد يخالف هذه الموجودات حتى يصح منه إيجاد هذه الأشخاص ، إلا أن لقائل أن يقول هاهنا : لم لا يجوز أن يكون المؤثر طبائع الفصول والأفلاك والنجوم؟ ولما كان هذا السؤال محتملا ، ذكر الله تعالى عقبه ما يدل على افتقار هذه الأشياء إلى المحدث والموجب ، وهو قوله تعالى : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً) [البقرة : الآية ٢٢]. وهو المراد من دلائل الآفاق ، ويندرج فيها كل ما يوجد من تغيرات أحوال العالم من الرعد والبرق والرياح والسحاب واختلاف الفصول ، وحاصلها يرجع إلى أن الأجسام الفلكية والأجسام العنصرية مشتركة في الجسمية ، فاختصاص بعضها بعض الصفات من المقادير والأشكال والأحياز لا يمكن أن يكون للجسمية ولا لشيء من لوازمها ، وإلا وجب الاشتراك في الكل بتلك الصفات فلا بد وأن يكون الأمر منفصلا ، وذلك الأمر إن كان جسما ، عاد البحث في أنه لما اختص بتلك المؤثرية من بين تلك الأجسام وإن لم يكن جسما ، فإما أن يكون موجبا أو مختارا ، والأول باطل ، وإلا لم يكن اختصاص بعض الأجسام ببعض الصفات أولى من العكس ، فلا بد وأن يكون قادرا ، فثبت بهذه الدلالة افتقار جميع الأجسام إلى مؤثر قادر ليس بجسم ولا جسماني ، وعند هذا ظهر أن الاستدلال بحدوث الأعراض على وجود الصانع لا يكفي إلا بعد الاستعانة بإمكان الأعراض والصفات.
إذا عرفت هذا فنقول : إن الله تعالى إنما خص هذا النوع من الدلالة بالإيراد في أول كتابه لوجهين :
(الأول) : أن هذا الطريق لما كان أقرب الطرق إلى أفهام الخلق وأشدها اتصافا بالعقول ، وكانت الأدلة المذكورة في القرآن يجب أن تكون أبعدها عن الدقة وأقربها إلى الأفهام ؛ لينتفع به كل أحد من الخواص والعوام لا جرم أن الله ذكره في أول كتابه.
(الثاني) : أنه ليس الغرض من الدلائل القرآنية المجادلة ، بل الغرض منها تحصيل العقائد الحقية في القلوب ، وهذا النوع من الدلائل أقوى من سائر الطرق في هذا الباب ؛ لأن هذا النوع من الدلائل كما يفيد العلم بوجود الخالق فهو يذكر نعم الخالق علينا ؛ فإن الوجود والحياة من النعم العظيمة علينا وتذكير النعم مما يوجب المحبة وترك المنازعة وحصول الانقياد ؛ فلهذا السبب كان ذكر هذا النوع من الأدلة أولى من سائر الأنواع.
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
