هنا إنما هو الروح ، سيأتي موضحا ، وقال : (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) [النّساء : الآية ١١٣]. وقال : (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) [طه : الآية ١١٤]. وقال في صفة القرآن : (وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) [الأنعام : الآية ٥٩]. وكان عليهالسلام يقول : «أرنا الأشياء كما هي فمن كان هذا حاله وصفته فكيف يليق به أن يقول : أنا لا أعرف هذه المسألة. مع أنها من المسائل المشهورة المذكورة بين جمهور الخلق ، بل المختار عندنا أنهم سألوه عن الروح وأنه صلىاللهعليهوسلم أجاب عنه على أحسن الوجوه ، وتقريره أن المذكور في الآية أنهم سألوه عن الروح ، والسؤال عن الروح يقع على وجهين : (أحدهما) : أن يقال : ما ماهية الروح؟ أهو متحيز أو حال في المتحيز أو موجود غير متحيز ولا حال في المتحيز؟ (وثانيهما) : أن يقال : الروح قديمة أو حادثة؟ وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة ، وقوله : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) [الإسراء : الآية ٨٥]. ليس فيه ما يدل على أنهم سألوه عن هذه المسائل أو عن غيرها ، إلا أنه تعالى ذكر له جوابا عن هذا السؤال في قوله : (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء : الآية ٨٥]. وهذا الجواب لا يليق إلا بالوجهين المتقدمين ، أما بيان الوجه الأول : فهم قالوا به بحسب مرادهم ما حقيقة الروح وماهيته أهو عبارة عن أجسام موجودة في داخل هذا البدن متولدة من امتزاج الأخلاق؟ أو هو عبارة عن نفس هذا المزاج والتركيب أو هو عبارة عن موجود يغاير هذه الأجسام والأعراض ، وذلك بأن هذه الأجسام أو هو عبارة عن عرض آخر قائم بهذه الأجسام؟ أشياء تحدث من امتزاج الأخلاط والعناصر؟ وأما الروح فإنه ليس كذلك ، بل هو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث كما قال تعالى : (كُنْ فَيَكُونُ) [الأنعام : الآية ٧٣]. فقالوا : لم كان شيئا مغايرا لهذه الأجسام ولهذه الأعراض ، فأجاب الله تعالى عنه بأنه موجود يحدث بأمر الله تعالى وتكوينه وتأثيره في إفادة الحياة لهذا الجسد ، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نقيه ، فإن أكثر حقائق الأشياء وماهيتها مجهولة ، فإنا نعلم أنه يوجد في النباتات بعض حركات تثبت لها أصل الحياة ، فمنها ما يتبع سير الشمس نهارا بواسطة حركة دورية على ساقه ، ومنها ما يفتح أو يغلق تيجانه على حسب ظهور الشمس وغير ذلك ، وأيضا إن جميع الموجودات الآلية ، وإن كان كل منها تام الوظائف بالنسبة لجنسه ومنفعته المعد لها في الطبيعة ، إلا أنه تختلف فيها درجة الخواص المظهرة لحياتها الدالة على وجودها فيها ، فتتضح تلك الخواص ويقوى ظهورها ويتسع ميدانها كلما ارتقى النظر في سلسلة الموجودات الحية من الموجودات البسيطة إلى الإنسان الذي هو في أعلى درجة منها وعلى أتم نظام ، ولا شك أن الحياة في النبات بسيطة ؛ إذ غاية منفعتها المقصودة منها فيه إنما هي التغذية والتوالد ، فأما إذا أردنا أن نعرف ماهية تلك الحياة وحقيقتها المخصوصة فذاك غير معلوم ، فثبت أن أكثر الماهيات والحقائق
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
