قنينة ثم أديرت على قطبها إدارة سريعة ، فإنه يقف التراب في وسط القنينة لتساوي الدفع من كل الجوانب ، ومن ذلك تطلب الأرض وسط الأفلاك ؛ لأن الأجسام متساوية في الجسمية ، فاختصاص البعض بالصفة التي لأجلها تطلب تلك الحالة لا بد وأن يكون حائزا فيفتقر فيه إلى الفاعل المختار سبحانه وتعالى.
(الثالث) : قال علماء الهيئة الذين بحثوا في الأرض على ما تبين لهم : إن جميع المواد الداخلة في تركيب الأرض كانت ابتداء على حالة غازات أو أبخرة بتأثير الحرارة الشديدة التي سلطها الله تعالى عليها ، وحينئذ نتخيل أن الأرض كانت في ابتداء أمرها مادة غازية ، ومتى علم أن الجواهر الصلبة التي تستحيل إلى غازات تشغل حجما قدر حجمها الذي تبقى عليه ألفا وثمانمائة مرة ، نتج من ذلك أن هذه الكتلة الغازية كانت ذات حجم عظيم ، وتخيلنا الفرق الذي بين حجم أرضنا هذه وكتلتها الغازية الأولية ، وحيث إن الكتلة الغازية التي كانت تتكون منها الأرض ذات حرارة مرتفعة جدا كانت تضيء في الفراغ كما تضيء الشمس الآن ، وكما تضيء النجوم الثابتة والسيارة ليلا ، وهذه الكتلة الغازية المضطرمة لما دارت حول الشمس على مقتضى قوانين الجذب العام الفلكي كانت منقادة إلى القوانين المؤثرة في بقية الجواهر المادية ، فكانت تبرد وتترك جزءا من حرارتها لطبقات الفراغ الباردة جدا التي بين الأفلاك ، فبسبب هذا التبريد المستمر مع طول الزمن الذي لا يمكن تعيين مدته ولو على وجه التقريب ، صارت الأرض سائلة بعد أن كانت غازية ، فتناقص حجمها تناقصا عظيما ، ومن المقرر في علم (الميخانيك). أي علم رفع الأثقال أن الجسم السائل المتحرك حركة رحوية يكتسب شكلا كرويا ، فهذه الكيفية اكتسبت الأرض الشكل الكروي المميز لها ، ولأغلت الأجسام السماوية.
وليست الأرض منقادة إلى حركة رحوية فقط ، بل لها حركة دوران على محورها أيضا يتكون تعاقب الليل والنهار ، وقد تقرر في علم «الميخانيك» وثبت بالتجارب أن الكتلة السائلة المتحركة تنفتح نحو خط الاستواء تفرطحا نحو قطبها بسبب اختلاف القوة المركزية الطاردة ، وبسبب هذه الظاهرة لما كانت الأرض سائلة انتفخت نحو خط الاستواء ، وتفرطحت نحو القطبين فاستحالت من الشكل الكروي إلى شكل كرة مفرطحة نحو قطبها.
(واعلم) أن انتفاخ الأرض نحو خط الاستواء وتفرطحها نحو القطبين دليل على أن الأرض كانت سائلة ابتداء ، فإن الكرة الصلبة التي من العاج لا يتغير شكلها إذا دارت على
![كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة [ ج ١ ] كشف الأسرار النورانيّة القرآنيّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4110_kashf-alasrar-alnoorania-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
